القائمة الرئيسية

الصفحات

500 جندي مغربي إلى غزة.. حين تصبح "الخيانة" اسماً آخر لليوم التالي



ليس أكثر استفزازاً من أن يُطلب من الفلسطيني، بعد كل ما جرى له في غزة، أن يستقبل قوات مغربية لا لكي تحميه من الاحتلال، وإنما لكي تحرس له «اليوم التالي» الذي رسمه الاحتلال الصهيوني المجرم.
وليس أكثر قسوة من أن يتحول العربي، الذي كان يفترض أن يقف إلى جانب الضحية، إلى جزء من ترتيبات أمنية تبدأ بانسحاب إسرائيلي جزئي، وتنتهي بوضع قوات مغربية ودولية في الأماكن التي كانت تحت سيطرة جيش الاحتلال.
لهذا، فإن الحديث عن 500 جندي مغربي إلى غزة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبراً عسكرياً عابراً.
إنه سؤال سياسي كبير، وربما واحد من أكثر الأسئلة إحراجاً للنظام المغربي المطبع والذي اختار الدخول في ترتيبات «اليوم التالي» في غزة.
فالحديث المتداول ليس مجرد شائعة بلا أساس؛ إذ أفادت تقارير بأن المغرب ارسل 500 جندي للمشاركة في قوة دولية في غزة، وأن الكتيبة المغربية يصل قوامها 500 فرد، كما أن أفراداً من الكتيبة المغربية شاركوا بالفعل في زيارة إلى غزة ضمن التحضيرات للقوة الدولية. 
وهنا تبرز عديد الأسئلة؟
من الذي طلب من المغرب إرسال جنوده إلى غزة؟ ولماذا المغرب تحديداً؟ ولماذا الآن؟
ولماذا في اللحظة التي يجري فيها الحديث عن انسحاب إسرائيلي جزئي وتسليم بعض المناطق إلى قوة دولية؟
ثم السؤال الأهم:
هل يدخل الجندي المغربي غزة لحماية الفلسطينيين، أم لحماية الترتيبات التي ستأتي بعد الحرب؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
فالتقارير المتداولة تشير إلى أن القوة الدولية ستعمل في إطار ترتيبات أمنية معقدة، وبالتنسيق مع أطراف بينها إسرائيل، وأن إسرائيل أبقت لنفسها دوراً عسكرياً وأمنياً في أجزاء من القطاع. بل إن تقارير تحدثت عن تقليص العدد المقترح للقوة في المرحلة التجريبية من 500 إلى نحو 200 فرد في منطقة رفح. 
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة.
لأن الانسحاب الإسرائيلي من شارع أو منطقة لا يعني بالضرورة انتهاء الاحتلال.
وإذا خرج الجندي الإسرائيلي من موقع ليحل محله جندي مغربي، فإن السؤال الذي سيبقى معلقاً في الهواء هو: هل تغيرت وظيفة القوة أم تغير لون الزي العسكري فقط؟
غزة ليست كوسوفو
قد يقول قائل إن القوة الدولية جاءت لحفظ الأمن، وتدريب الشرطة الفلسطينية، وحماية المدنيين، والمساعدة في إعادة الاستقرار.
لكن غزة ليست أرضاً بلا شعب.
غزة أرض فلسطينية، وشعبها هو الذي دفع ثمن الحرب، وهو الذي يملك الحق في تقرير مستقبلها.
ولا يمكن أن يصبح «الاستقرار» كلمة سحرية تبرر تحويل القطاع إلى مساحة أمنية تُدار من الخارج.
فإذا كانت مهمة القوات المغربية هي حماية الفلسطينيين من الاحتلال، وتأمين المساعدات، وفتح المعابر، ومنع الاعتداءات الإسرائيلية، وحماية السكان، فذلك موقف يمكن الدفاع عنه.
أما إذا كانت مهمتها هي نزع سلاح الفلسطينيين، وملاحقة المقاومة، وحراسة مناطق أنشأتها ترتيبات إسرائيلية وأمريكية، وضمان أمن إسرائيل، فهنا يصبح السؤال مختلفاً تماماً لأن دورها سيصبح وظيفيا تبعا للنظام المغربي الذي تحركه الاملاءات الأمريكية والصهيونية 
وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بـ500 جندي.
بل بـ500 جندي في خدمة أي مشروع؟
المغرب أمام المرآة
المغرب ليس دولة عربية عادية في هذه المعادلة.
فهو الدولة التي أعادت علاقاتها مع إسرائيل، وطورت معها تعاوناً أمنياً وعسكرياً، ثم تجد نفسها اليوم ــ وفق التقارير المتداولة ــ مرشحة لإرسال قوات إلى غزة ضمن قوة دولية يجري إعدادها للمرحلة المقبلة.
وهذه المصادفة السياسية يصعب تجاهلها.
فحين يجلس الإسرائيلي والأمريكي والمغربي حول الطاولة نفسها لرسم مستقبل غزة، فإن السؤال الفلسطيني الطبيعي سيكون:
أين الفلسطيني من كل هذا؟
هل سيقرر الفلسطيني من يدخل أرضه؟
هل سيقرر الفلسطيني قواعد عمل القوة؟
هل تستطيع هذه القوة منع إسرائيل من العودة إلى غزة؟
هل تستطيع إجبار الاحتلال على الانسحاب؟
هل ستقف في وجه أي اعتداء إسرائيلي على القطاع؟
أم أن مهمتها ستكون فقط ضبط غزة من الداخل؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تُطرح، لا عدد الجنود ولا أسماء الدول المشاركة.
من يحرس «اليوم التالي»؟
المشكلة ليست في وجود قوات عربية من حيث المبدأ.
المشكلة في المشروع الذي ستخدمه.
فإذا كان المطلوب هو أن تأتي الدول العربية بعد الحرب لكي تساعد الفلسطينيين على إعادة بناء ما دمرته إسرائيل، فهذا واجب عربي وإنساني.
أما أن يأتي العربي في اللحظة التي ينسحب فيها الإسرائيلي من بعض المناطق، ليحل مكانه في ترتيبات أمنية لم يشارك الفلسطينيون في صياغتها، فذلك يفتح الباب أمام أسوأ الاحتمالات.
لأن الاحتلال يستطيع عندها أن يقول:
أنا خرجت.
لكن الفلسطيني قد يكتشف أن الذين دخلوا بعده ليسوا فلسطينيين.
وهنا تكمن المفارقة.
الخوف ليس من الجندي المغربي
الجندي، في النهاية، ينفذ الأوامر.
القضية في الأوامر التي سيتلقاها.
فهل سيكون الأمر: احمِ الطفل الفلسطيني؟
أم: احمِ المعبر؟
هل سيكون: امنع الاحتلال من العودة؟
أم: امنع الفلسطيني من حمل السلاح؟
هل سيكون: واجه أي اعتداء على غزة؟
أم: حافظ على الهدوء بمنع المقاومة حتى لو استمر الاحتلال في فرض شروطه؟
هنا فقط ستتحدد حقيقة المهمة.
وهنا أيضاً سيتحدد إن كان إرسال الجنود العرب إلى غزة موقفاً تاريخياً إلى جانب فلسطين، أم تورطاً تاريخياً في ترتيبات ما بعد الحرب.
الذين لم يستطيعوا حماية غزة.. يريدون الآن إدارة غزة؟
السؤال الأكثر مرارة أن العالم العربي عجز طوال شهور الحرب عن وقف آلة القتل الإسرائيلية، ثم يظهر اليوم حديث عن قوات مغربية ودولية ستدخل غزة عندما تبدأ ترتيبات ما بعد الحرب.
فلماذا لم تكن هناك قوة عربية لحماية الفلسطينيين عندما كانت غزة تُقصف؟
ولماذا يظهر «الأمن العربي» الآن، بعد أن تحولت غزة إلى أنقاض؟
ولماذا يصبح العربي مطلوباً عندما يتعلق الأمر بإدارة ما بعد الحرب، بينما كان غائباً عندما كان المطلوب وقف الحرب؟
هذه الأسئلة ستبقى تطارد كل حكومة عربية توافق على إرسال جنودها إلى غزة.
التاريخ لا يرحم
قد يتغير عدد الجنود.
قد تكون القوة 500، وقد تصبح 400، وقد تبدأ بـ200 ثم تتوسع.
وقد يتغير موعد الانتشار.
لكن السؤال لن يتغير:
ماذا يفعل الجندي العربي في غزة؟
إذا كان لحماية الفلسطيني، فمرحباً به.
إذا كان لمنع عودة الاحتلال، فليكن ذلك واضحاً.
إذا كان لإعادة إعمار غزة وحماية المدنيين، فذلك واجب.
أما إذا كان المطلوب منه أن يصبح شرطيّاً على الفلسطيني نيابة عن إسرائيل والولايات المتحدة، فهنا لن تنفع كل الكلمات الدبلوماسية.
لأن التاريخ لا يقرأ النوايا.
التاريخ يقرأ الأفعال.
وقد يدخل 500 جندي مغربي غزة في إطار قوة دولية، لكن السؤال الذي سيبقى في ذاكرة الفلسطينيين والعرب لن يكون: كم كان عددهم؟
بل: في أي صف وقفوا عندما كان عليهم أن يختاروا؟
وهذه، في النهاية، ليست معركة بين المغرب وفلسطين.
إنها معركة على معنى أن تكون عربياً في غزة بعد كل ما حدث.
فإما أن تكون القوة المغربية هناك لحماية فلسطين… أو أن تتحول، شاءت أم أبت، إلى جزء من النظام الأمني الإسرائيلي الذي يُراد فرضه على فلسطين.
إنه اختبار أخير لحدود التطبيع… ولحدود الخيانة أيضاً.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...