يا الجزيرة الوثائقية... عندما تذهب كاميراتكم إلى أوسرد في الصحراء الغربية، بحثًا عن المدافن القديمة والآثار التي قاومت آلاف السنين، فإنكم لا تدخلون أرضًا بلا تاريخ، ولا فضاءً بلا ذاكرة.
أنتم تدخلون أرضًا أقدم من الخرائط السياسية الحديثة، وأقدم من الحدود التي رسمها الاستعمار، وأقدم من الدولة المغربية نفسها.
لكن المشكلة ليست في تصوير الآثار.
المشكلة في العدسة التي تصور، والكلمات التي ترافق الصورة، والخريطة التي تظهر للمشاهد.
ففي فيلم «صحاري أطلس – المعالم الطبيعية والأثرية للصحراء الأطلسية»، بدا وكأن الجغرافيا السياسية للصحراء الغربية حقيقة محسومة للاحتلال المغربي، وكأن المنطقة لا تحتاج إلى أي تعريف بوضعها القانوني أو السياسي.
وهنا نقولها بوضوح:
الصحراء الغربية ليست جزءًا من المغرب ولن تكون بإذن الله وشعبها يقاوم الغزو المغربي مثلما قاوم كل الغزاة قبله من اسبان وبرتغاليين وبريطانيين وغيرهم.
والأمم المتحدة تدرج الإقليم منذ عام 1963 ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وما تزال مسألة وضعه النهائي مرتبطة بمسار تصفية الاستعمار وتقرير المصير.
هذه ليست رواية البوليساريو.
وليست رواية الجزائر.
وليست رواية المغرب.
هذه حقيقة مرتبطة بالوضع الأممي للإقليم.
فلماذا، إذن، عندما تتناول الجزيرة الوثائقية موقعًا أثريًا في أوسرد بالصحراء الغربية، تختفي هذه الحقيقة من الصورة؟
لماذا يصبح المكان فجأة مجرد امتداد جغرافي للمغرب؟
لماذا لا يسمع المشاهد رواية السكان الصحراويين؟
ولماذا لا يُقال له إن الأرض التي يشاهد آثارها تقع في إقليم ما يزال خاضعا للاستعمار وينتظر شعبه منذ اكثر من خمسين سنة الامم المتحدة الوفاء بالتزامها تجاه تصفية الاستعمار؟
أيها القائمون على الجزيرة الوثائقية:
المدافن القديمة لا تقول: «أنا مغربية».
والنقوش لا تحمل جواز سفر مغربيًا.
والحجارة التي صمدت أمام تغير المناخ لا تعرف الحدود التي رسمها الأوروبيون في القرن العشرين.
الأثر يثبت وجود الإنسان، ولا يمنح دولة معاصرة صكًا تاريخيًا بالسيادة على الأرض.
وإذا كانت أوسرد تضم تراثًا يعود إلى عصور ما قبل الإسلام، فهذا يجعلها أكثر أهمية للإنسانية، لا أكثر قابلية للتوظيف السياسي.
فلا تحوّلوا علم الآثار إلى ملحق بالخريطة السياسية لدولة توسعية لم تعرف لها حدود.
ولا تجعلوا الكاميرا تقوم بما لا تستطيع الوثائق القانونية والتاريخية القيام به.
المخزن لا يحتاج إلى كاميرا... لكنه يحتاج إلى رواية
لسنا هنا بصدد اتهام كل صحفي أو باحث يعمل في الجزيرة الوثائقية بأنه جزء من دعاية سياسية.
لكننا أمام سؤال مهني مشروع:
ماذا يحدث عندما تقدم قناة عربية ذات انتشار واسع رواية أحادية عن إقليم متنازع عليه، دون أن تمنح المشاهد الحد الأدنى من السياق التاريخي والقانوني؟
هنا تتحول الكاميرا، من حيث تدري أو لا تدري، إلى أداة لإنتاج صورة سياسية.
وهنا يصبح الوثائقي جزءًا من معركة الرواية.
والرواية بالنسبة للمخزن ليست تفصيلًا ثانويًا؛ إنها واحدة من أهم جبهات الصراع.
أوسرد ليست مغربية لأن الخرائط قالت ذلك على الشاشة والصحراء الغربية ليست أرضًا بلا شعب.
والتاريخ الصحراوي لا يبدأ يوم وصلت إليه جحافل الغزاة المغاربة في خريف 1975.
قبل الخرائط الحديثة، كان هناك الإنسان.
وقبل الحدود، كانت هناك طرق القوافل.
وقبل الاحتلال، كان هناك شعب صحراوي يحمل أنماط حياته وذاكرته وثقافته المختلفة تماما عن المغرب.
وقبل كل ذلك، كانت هناك آثار أقدم من الجميع.
فلماذا تريدون من الحجر أن يتحدث بلسان السياسة؟
يا الجزيرة... الوثائقي مسؤولية
نحن لا نطلب من الجزيرة الوثائقية أن تتبنى رواية جبهة البوليساريو.
ولا نطلب منها أن تهاجم المغرب.
ولا نطلب منها أن تتحول إلى منبر سياسي.
نطلب شيئًا أبسط من ذلك بكثير:
المهنية.
إذا كان المكان في الصحراء الغربية، فقولوا: الصحراء الغربية.
إذا كان الإقليم مدرجًا أمميًا ضمن الأقاليم الخاضعة للاستعمار، فاذكروا ذلك.
إذا كان هناك نزاع سياسي وقانوني حول وضعه، فضعوا المشاهد أمام هذه الحقيقة.
وإذا كنتم تتحدثون عن آثار أوسرد، فدعوا الآثار تتحدث عن نفسها، بدل أن تجعلوا منها شاهد زور على سيادة مزعومة لاحتلال دخل الارض بقوة السلاح.
الوثائقي الحقيقي لا يختار الحقيقة التي تناسب الخريطة.
والإعلام المهني لا يضع الحقيقة بين قوسين عندما تتعارض مع رواية طرف سياسي.
وفي النهاية...
يا الجزيرة الوثائقية:
الصحراء الغربية ليست مجرد «صحراء أطلسية».
وأوسرد ليست مجرد خلفية جميلة لفيلم وثائقي.
والمدافن ليست ديكورًا تلفزيونيًا.
والتاريخ ليس ملكًا لمن يملك الكاميرا.
وراء كل صورة حكاية.
لكن وراء كل حكاية شعبًا وذاكرةً وتاريخًا.
فلا تجعلوا الكاميرا قلمًا يكتب للمخزن ما عجزت السياسة عن حسمه.
