ليست المشكلة في أن تكتشف الكاميرا أسرار الصحراء الغربية الغنية بالاثار والمعالم الأثرية والسياحية، ولا في أن تفتح أمام المشاهد أبوابًا على مدافن وآثار عمرها آلاف السنين؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الكاميرا من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا وفق منطق التوسع ورواية المحتل، وعندما يصبح الفيلم الوثائقي، بدل أن يكون مساحة للمعرفة، منصة لتمرير رواية استعمارية جاهزة.
هذا تحديدًا ما يثير التساؤلات بشأن فيلم «صحاري أطلس – المعالم الطبيعية والأثرية للصحراء الأطلسية» الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية، حين تناول مواقع أثرية في منطقة أوسرد بالصحراء الغربية ضمن سردية توحي بأن المنطقة جزء من المغرب.
وهنا لا بد من وضع الأمور في سياقها الصحيح: الأمم المتحدة لا تعتبر الصحراء الغربية جزءًا من المغرب، بل تدرج الإقليم منذ سنة 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، في انتظار تصفية الاستعمار وفق مبدأ تقرير المصير.
فأوسرد ليست اختراعًا جغرافيًا حديثًا، ولا صفحة يمكن إعادة كتابتها وفق خرائط سياسية متغيرة لمملكة توسعية.
إنها جزء من فضاء صحراوي ضارب في القدم، احتضن الإنسان منذ عصور موغلة في التاريخ، وترك وراءه مدافن ومنشآت حجرية ونقوشًا وآثارًا تشهد على تعاقب مجتمعات بشرية وحضارات وبيئات مناخية مختلفة.
والمدافن القديمة التي تكشف عنها الأبحاث الأثرية ليست "مغربية" أو "صحراوية" بالمعنى السياسي الحديث لمجرد وجودها هنا أو هناك؛ إنها تراث إنساني سابق على الحدود السياسية الحديثة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فحين يُستخرج أثر عمره آلاف السنين، لا يجوز تحويل قدمه إلى وثيقة ملكية سياسية لدولة معاصرة.
التاريخ لا يمنح صكوك السيادة بأثر رجعي.
التراث لا يثبت السيادة
من حق المغرب أن يقدم روايته السياسية، ومن حق جبهة البوليساريو والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية أن تقدما روايتهما أيضًا، ومن حق الباحثين أن يختلفوا في تفسير الوقائع التاريخية.
لكن ما ليس مقبولًا في عمل يفترض أنه وثائقي هو الخلط بين الجغرافيا الأثرية والواقع السياسي والقانوني لاقليم محتل يقاوم شعبه من اجل الحرية ودحر المحتل الذي دخل بقوة السلاح.
فوجود موقع أثري في الصحراء الغربية لا يثبت أن الإقليم مغربي، كما أن وجود آثار تعود إلى عصور ما قبل الإسلام لا يمكن استخدامه لإثبات سيادة دولة حديثة على الأرض.
والأهم أن الوضع الدولي للصحراء الغربية ليس مسألة رأي إعلامي.
فالأمم المتحدة ما تزال تتعامل معها باعتبارها إقليمًا خاضعا للاستعمار، ولم تُحسم مسألة السيادة النهائية عليها عبر ممارسة تقرير المصير التي يدعو إليها المسار الأممي.
من يملك الماضي؟
السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه القضية ليس فقط: لمن تنتمي أوسرد؟
بل: من يملك الحق في رواية تاريخها؟
هل يملك هذا الحق من يحتل الأرض اليوم؟
أم الباحث الذي يقرأ النقوش والمدافن بعيدًا عن السياسة؟
أم سكان الأرض الذين يحملون ذاكرتها جيلاً بعد جيل؟
أم أن القنوات التلفزيونية تستطيع، بمجرد اختيار الكلمات والخرائط والتعليقات الصوتية، أن تمنح إقليمًا متنازعًا عليه هوية سياسية نهائية؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، لأن الإعلام قادر على صناعة الوعي بقدر ما يستطيع نقل الخبر.
وعندما يُقدَّم إقليم متنازع عليه كما لو أن وضعه القانوني قد حُسم، فإن المشكلة لا تعود مجرد خطأ في الصياغة، بل تصبح مشكلة في المسؤولية المهنية للوثائقي.
الصحراء الغربية أقدم من الخرائط
هناك حقيقة تاريخية لا يستطيع أي خطاب سياسي محوها:
الإنسان عاش في الصحراء الغربية قبل أن توجد الدولة المغربية الحديثة، وقبل الحدود الدولية الحالية، وقبل الاستعمار الأوروبي، وقبل كل الخرائط التي يتجادل حولها السياسيون اليوم وقاوم شعبها مختلف الحملات الاستعمارية والتي كان آخرها الاجتياح العسكري المغربي.
المدافن والنقوش والمنشآت الحجرية التي بقيت صامدة أمام تغير المناخ وتعاقب الأزمنة ليست شهادة ميلاد لدولة معاصرة، وإنما شهادة على قدم الوجود البشري والحضاري في هذه الأرض.
ولهذا فإن التعامل مع التراث الأثري يجب أن يكون باعتباره تراثًا علميًا وإنسانيًا، لا مادة لإعادة إنتاج النزاع السياسي داخل فيلم يفترض أن يكون وثائقيًا.
إلى الجزيرة الوثائقية: التاريخ ليس خريطة سياسية
ليس المطلوب من الجزيرة الوثائقية أن تتبنى رواية جبهة البوليساريو، ولا أن تتبنى الرواية المغربية.
المطلوب فقط هو الحياد العلمي والوضوح الجغرافي والقانوني.
إذا كانت المنطقة تقع في الصحراء الغربية، فينبغي تسميتها كذلك.
وإذا كان وضعها خاضع لاحتلال، فينبغي الإشارة إلى ذلك.
وإذا كانت الأمم المتحدة تصنف الإقليم ضمن الأقاليم الخاضعة للاستعمار، فهذه حقيقة دولية لا يجوز إخفاؤها عند تقديم مادة وثائقية عن المنطقة.
أما أن يتم الحديث عن التاريخ والآثار والطبيعة ثم تمرير المغالطات الاستعمارية للأرض وكأنه حقيقة غير قابلة للنقاش، فذلك يفتح الباب أمام سؤال مشروع:
هل نحن أمام وثائقي عن التاريخ... أم أمام تاريخ يُستخدم لصناعة وثائقي سياسي؟
وراء كل صورة حكاية
وراء كل صورة من أوسرد حكاية.
وراء كل مدفن إنسان عاش ومات هنا.
وراء كل نقش ذاكرة.
لكن وراء كل ذلك أيضًا شعب صحراوي له تاريخًا وذاكرة وهوية وحقًا في تقرير مصيره.
ولهذا، فإن محاولة اختزال الصحراء الغربية في صورة سياحية أو أثرية منزوعـة من سياقها القانوني والتاريخي لن تغير الحقيقة.
فـأوسرد ليست مجرد منظر طبيعي، وليست مجرد موقع أثري، وليست ورقة في ألبوم سياحي.
إنها جزء من أرض سالت عليها دماء الشهداء في وجه الاستعمار الفرنسي والاسباني والغزو العسكري المغربي وما تزال قضيتها مدرجة في أجندة الأمم المتحدة كقضية تصفية استعمار.
والحجر الذي صمد آلاف السنين أمام العواصف والرمال، سيبقى شاهدًا على شيء واحد على الأقل:
أن التاريخ أقدم من الخرائط، وأن الشعوب لا تُمحى من الذاكرة بمجرد تغيير اسم المكان على الشاشة.
