بقلم: عبدالله ولدبونا //مفكر وخبير استراتيجي
4يوليو2026
الجغرافيا قدر تاريخي يصوغ مسارات الدول، ويحدد إمكاناتها، ويمنحها – أو يحرمها – من فرص الاستقرار والنمو. وفي هذا السياق، يبرز موقع الجزائر بوصفه أحد أعمدة التوازن في شمال إفريقيا والساحل،.
وذلك ما يجعل الجوار معها ليس مجرد واقع جغرافي، بل نعمة استراتيجية بكل المقاييس.
فالجزائر ليست دولة عادية في محيطها، بل هي دولة ذات عمق تاريخي وثقل جيوسياسي، تشكلت هويتها عبر قرون طويلة ميزتها عن غيرها ، وتشكلت هويتها الحديثة من رحم ثورة تحريرية كبرى.
هذا الإرث العظيم جعلها دولة حساسة تجاه السيادة، رافضة للهيمنة، ومتمسكة باستقلال قرارها. ومن هنا، فإن الدول المجاورة لها تجد نفسها في جوار قوة إقليمية تملك مناعة سياسية نادرة، وهو ما ينعكس استقرارا على محيطها ، إلا من اختار أن يتحدى الجزائر.
إن أول أوجه هذه النعمة يتمثل في عامل الأمن والاستقرار. فالجزائر، رغم ما يحيط بها من أزمات إقليمية معقدة في الساحل والصحراء، ظلت لاعبا أساسيا في منع تمدد الفوضى. ولقد طورت منظومة أمنية واستخباراتية قوية، وخبرة عميقة في مكافحة الإرهاب، مما جعل حدودها حواجز صد أمام موجات عدم الاستقرار.
والدول المجاورة، بحكم هذا الواقع، تستفيد – بشكل مباشر أو غير مباشر – من هذا الحاجز الأمني الردعي الوقائي القوي.
أما الوجه الثاني، فهو العمق الاقتصادي والطاقوي. فالجزائر من أكبر منتجي الغاز في العالم، وتمتلك احتياطيات هائلة من الموارد الطبيعية. وهذا المعطى يمنح جيرانها فرصة استراتيجية لبناء شراكات في مجالات الطاقة، سواء عبر الربط الطاقوي أو التبادل التجاري أو مشاريع البنية التحتية.
كما أن الجزائر تشهد ثورة صناعية وزراعية تجعلها مصدرا لأجود المنتجات.
وفي عالم يتجه نحو أزمات طاقة متكررة، يصبح الجوار مع دولة طاقوية كبرى رصيدا استراتيجيا لا يقدر بثمن.
ثالثًا، هناك البعد الدبلوماسي والتوازني. فالجزائر، بحكم سياستها الخارجية التقليدية، تميل إلى الحياد الإيجابي وعدم الانخراط في المحاور الحادة، فهي عنصر توازن في منطقة تعج بالتجاذبات. وجود دولة بهذا النهج في الجوار يخفض من احتمالات الانجرار إلى صراعات إقليمية، ويمنح الدول المجاورة هامشا أوسع للمناورة السياسية.
رابعًا، يتمثل في الامتداد الثقافي والحضاري. فالجزائر جزء من الفضاء المغاربي والإفريقي والعربي، وتحمل في داخلها تنوعا ثقافيا ولغويا يعكس تاريخ المنطقة بأكملها.
وهذا الامتداد يخلق فرصا للتكامل الثقافي والتعليمي، ويعزز الروابط الاجتماعية بين الشعوب، وهو عامل غالبا ما يغفل رغم أهميته في بناء الاستقرار طويل الأمد.
لكن البعد الجيوستراتيجي الأعمق يظهر بوضوح عند النظر إلى موريتانيا بوصفها أحد أهم جيران الجزائر جنوبا فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد تلامس حدودي في صحراء شاسعة، بل هي عقدة استراتيجية تربط شمال إفريقيا بعمق الساحل وغرب إفريقيا.
فموريتانيا تحتل موقعًا فريدا كـجسر جغرافي بين الفضاء المغاربي والفضاء الإفريقي جنوب الصحراء، بينما تمثل الجزائر قوة ارتكاز شمالية ذات إمكانات أمنية وطاقوية كبرى. هذا التلاقي يجعل من محور الجزائر–موريتانيا أحد أهم المحاور الصاعدة في معادلات الإقليم.
من زاوية الأمن، يشكل التنسيق بين البلدين حزام استقرار ممتد في مواجهة التهديدات القادمة من منطقة الساحل، خصوصا مع تعقد الأوضاع في مالي والنيجر. فموريتانيا، التي نجحت نسبيا في تحصين نفسها من الانزلاق إلى الفوضى، تجد في الجزائر عمقا استراتيجيًا داعما، بينما ترى الجزائر في استقرار موريتانيا خط دفاع متقدم يحمي حدودها الجنوبية الغربية.
أما من زاوية الاقتصاد، فإن الطريق البري الرابط بين تندوف والزويرات، وما يمكن أن يتطور عنه من ممرات تجارية، يمثل بذرة مشروع ممر استراتيجي يربط المتوسط بالأطلسي عبر موريتانيا. وإذا ما أضيف إلى ذلك الطموح الموريتاني في أن تكون منصة طاقوية ناشئة (خصوصًا في مجال الغاز)، فإن التكامل مع الجزائر يمكن أن ينتج قطبًا طاقويا مزدوجا يمتد من شمال إفريقيا إلى غربها.
كما أن موريتانيا، بحكم انفتاحها على المحيط الأطلسي، تمنح الجزائر – ذات الامتداد المتوسطي – نافذة جيوستراتيجية نحو الأطلسي، وهو ما يعزز من خياراتها اللوجستية والتجارية في عالم تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية والتعدد في المنافذ. وفي المقابل، تمنح الجزائر لموريتانيا عمقا قاريا شماليا يعزز موقعها في معادلات التوازن الإقليمي.
وعلى المستوى السياسي، يشكل البلدان نموذجا لإمكانية بناء تحالف هادئ ، قائم على المصالح المشتركة دون الانخراط في محاور حادة. وهذا النمط من العلاقات قد يكون هو الأنسب لمنطقة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى الاستقطاب.
لكن هذه الإمكانات الجيوستراتيجية، رغم وضوحها، لا تزال في طور الإمكان أكثر من طور التحقق. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الجوار إلى مشروع تكامل فعلي، يقوم على البنية التحتية، والتنسيق الأمني، والتخطيط الاقتصادي المشترك، لا مجرد علاقات تقليدية محدودة.
إن التحدي لا يكمن في أن تكون موريتانيا جارا للجزائر، بل في أن تعي أن هذا الجوار يضعها في قلب معادلة إقليمية كبرى؛ معادلة الربط بين المتوسط والساحل والأطلسي. وهي معادلة، إذا أُحسن استثمارها، يمكن أن تنقل موريتانيا من موقع الهامش إلى موقع المركز.
في عالم تتزايد فيه التكتلات الإقليمية، لم يعد مقبولا أن تبقى هذه الفرص معطّلة. فالجزائر، بما تملكه من إمكانات، وموريتانيا، بما تملكه من موقع وثروات بكر ، قادران معا على صياغة محور استراتيجي جديد يعيد تشكيل التوازنات في غرب وشمال إفريقيا.
إن الجوار مع الجزائر ليس مجرد معطى جغرافي، بل فرصة تاريخية. وبالنسبة لموريتانيا تحديدا، فهو ليس فقط نعمة، بل بوابة عبور نحو دور إقليمي أكبر.
وهكذا، أن تكون جارًا للجزائر… هو بالفعل نعمة من أعظم النعم، لكنها نعمة لا تدرك قيمتها إلا بعين استراتيجية واعية.
ومما يثلج الصدر أن نرى مؤشر التعاون والتكامل بين البلدين ينمو ويتسارع في عهد الرئيسين غزواني وتبون ، رغم وجود مقاومة من الطابور الخامس في البلدين ، لكن لايصج إلا الصحيح
فالحمد لله على أننا جيران الجزائر العظيمة جزائر الثورة والإنتاج والعزة والمنعة
