كتب الكاتب والشاعر والباحث عبد الله ولد بونا: "أن تكون جارًا للجزائر فتلك نعمة من أعظم النعم." ولم تكن هذه العبارة مجرد مجاملة سياسية أو انطباع عابر، بل اختزلت، في نظر كثيرين، حصيلة مسار تاريخي طويل، وضع نموذجين متناقضين في إدارة الجوار وجهًا لوجه.
فالجوار في السياسة لا تُقاس قيمته بطول الحدود، بل بما ينتجه من أمن أو خوف، ومن تعاون أو صراع. فهناك دول تنظر إلى جيرانها باعتبارهم شركاء في الاستقرار، ودول أخرى ترى في الجغرافيا مجالًا للنفوذ، وفي الحدود مشروعًا مفتوحًا للتوسع، وفي الأزمات أدوات لتحقيق المكاسب.
منذ استقلالها، صاغت الجزائر عقيدتها الخارجية انطلاقًا من تجربتها المريرة مع الاستعمار. فتبنت دعم حركات التحرر، واحترام سيادة الدول، وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات، بل شكلت الأساس الذي بنت عليه الجزائر علاقاتها الإقليمية والدولية، ورسخت بها صورتها كدولة ترفض التوسع وتناهض منطق فرض الأمر الواقع.
وفي المقابل، تشكلت السياسة الإقليمية للمغرب، على تصور مختلف. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، برزت أطروحة "المغرب الكبير"، التي لم تتوقف عند الصحراء الغربية فحسب، بل شملت موريتانيا، وأجزاء من الجزائر ومالي. وكانت حرب الرمال، ثم الاعتراف المتأخر باستقلال موريتانيا، شاهدين على أن النزعة التوسعية لم تكن مجرد خطاب سياسي، بل مشروعًا رافق الدولة المغربية في مراحل مختلفة من تاريخها.
ولم يتوقف الأمر عند المطالب الترابية، بل استمر في الصحراء الغربية، حيث فُرض واقع جديد بالقوة، بينما ظل المجتمع الدولي يعتبر الإقليم قضية لم تُستكمل فيها بعد عملية تصفية الاستعمار، وهو ما جعل النزاع أحد أطول النزاعات في القارة الإفريقية وأكثرها تعقيدًا.
ومع تغير أدوات السياسة الدولية، تغيرت أيضًا وسائل النفوذ. فلم تعد الخرائط وحدها وسيلة للضغط، بل برزت ملفات الهجرة غير النظامية والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب كورقة تفاوض مع عدد من الشركاء الأوروبيين، في سياسة يرى كثيرون أنها تقوم على توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية.
وفي إفريقيا، لم يقتصر الحضور المغربي على الاستثمار والتعاون الاقتصادي، بل ارتبط أيضًا بصراع متواصل على النفوذ السياسي والديني، ومحاولات استمالة مواقف عدد من دول غرب إفريقيا بشأن قضية الصحراء الغربية، في إطار منافسة إقليمية تجاوزت أحيانًا حدود الدبلوماسية التقليدية. كما أن أطماع "المغرب الكبير" لم تتوقف عند موريتانيا، بل ألقت بظلالها على مجمل الفضاء المغاربي والإفريقي، ورسخت لدى كثير من دول الجوار هواجس دائمة من أي خطاب يستدعي خرائط الماضي على حساب حقائق الحاضر.
ويضاف إلى ذلك أن المغرب ظل حاضرًا في تقارير دولية تتعلق بإنتاج القنب الهندي وشبكات تهريب المخدرات، وهي ظاهرة تجاوزت بعدها المحلي لتصبح جزءًا من تحديات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما تحمله من انعكاسات أمنية واقتصادية على دول الجوار وأوروبا.
ومن هنا، يبدو مقال عبد الله ولد بونا أكثر من مجرد انطباع سياسي؛ إنه تعبير عن قناعة تشكلت عبر قراءة لمسار طويل من تاريخ المنطقة. فأن تكون جارًا للجزائر، يعني مجاورة دولة جعلت من احترام الحدود، ودعم حركات التحرر، وعدم التدخل في شؤون الآخرين مرتكزات لسياستها الخارجية.
أما التجربة التاريخية مع المغرب، فقد أفرزت، لدى كثير من جيرانه، صورة مختلفة، ارتبطت بالنزعات التوسعية، والجريمة المنظمة والصراعات الحدودية، وتوظيف أوراق الضغط والنفوذ لتحقيق مكاسب سياسية. وبين النموذجين يبقى التاريخ هو الحكم، لأنه لا يقيس الدول بما ترفعه من شعارات، بل بما تتركه من أثر في محيطها. فالجوار الحقيقي لا تصنعه الجغرافيا، وإنما تصنعه أخلاق الدول.
سلامة مولود اباعلي
