القائمة الرئيسية

الصفحات

لحبيب... ارتقى شهيداً وبقي ظله وارفاً

 


هناك رجالٌ يمرون في الحياة كما يمر العابرون، وهناك رجالٌ يمرون فيها فيتركون وراءهم ما يجعل الرحيل نفسه حدثاً عصياً على التصديق. وحين يغيب هؤلاء، لا يكون الحزن عليهم مجرد دمعةٍ على فقيد، بل حسرةً على قيمةٍ إنسانيةٍ نادرة، وعلى قامةٍ أخلاقيةٍ ووطنيةٍ يصعب أن تتكرر.
كان الشهيد لحبيب محمد عبد العزيز واحداً من هؤلاء.
لم يكن كبيراً بمنصبٍ أو رتبة، بل كان كبيراً بما حمله من خصال الرجال النبلاء. كان نظيف القلب واليد واللسان، متواضعاً على نحوٍ يجعلك تنسى موقعه وتتذكر إنسانيته، كريماً دون تكلف، بسيطاً دون تصنع، قريباً من الناس حتى ليشعر كل من عرفه أنه واحد من أهله وإخوته.
كان من أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم ليُسمَعوا، لأن أخلاقهم كانت أعلى من كل صوت، ولا يطلبون احترام الناس لأنهم كانوا يحصدونه تلقائياً من سلوكهم اليومي ومن صدقهم الفطري. لذلك لم يكن محبوباً لأنه قائد، بل كان قائداً لأنه محبوب.
واليوم، حين نقف أمام نبأ استشهاده، ندرك أن الأقدار اختارت له خاتمةً تشبه حياته. فقد ارتقى شهيداً في ميدان الشرف، حيث لا مكان إلا لأصحاب العزائم الصلبة والضمائر الحية. ارتقى واقفاً كما عاش واقفاً، ثابتاً كما عرفه الناس دائماً، مواجهاً كما تليق المواجهة بالرجال الذين لا يعرفون التراجع عن الواجب.
لم تكن حياته حياة الباحثين عن السلامة الشخصية، ولا حياة الذين يقيسون خطواتهم بحسابات الربح والخسارة، بل كانت حياة رجلٍ آمن بأن الكرامة تستحق التضحية، وأن الواجب لا يؤجل، وأن الشرف ليس كلمةً تُقال، بل موقفٌ يُدفع ثمنه حين تدعو الحاجة.
يا لحبيب...
أي قسوةٍ هذه التي تجعلنا نكتب عنك بصيغة الغائب؟
وأي وجعٍ هذا الذي يجعل من كانوا ينتظرون لقاءك يكتفون اليوم بذكراك؟
لقد كان فيك من الصفاء ما جعل القلوب تميل إليك دون سبب، ومن النبل ما جعل الجميع يلتفون حولك دون دعوة، ومن الصدق ما جعل صورتك في الوجدان أكبر من كل الأوصاف.
كنت من الرجال الذين يتركون في كل مكانٍ أثراً جميلاً، وفي كل مجلسٍ ذكرى طيبة، وفي كل قلبٍ مساحةً من المحبة والاحترام. ولذلك لم يكن رحيلك خسارةً لعائلتك وحدها، ولا لرفاقك وحدهم، بل خسارةً لكل من عرفك، ولكل من سمع عنك، ولكل من آمن أن هذا الوطن ما زال ينجب رجالاً يشبهون الحلم الذي استشهد من أجله الشهداء الأوائل.
لقد رحلت، لكنك لم تغب.
رحلت وبقيت أخلاقك شاهدةً عليك.
رحلت وبقي تواضعك حديث الناس.
رحلت وبقيت مواقفك تُروى بفخر.
رحلت وبقيت صورتك في الذاكرة كما هي: وجهٌ بشوش، وقلبٌ نقي، وروحٌ كبيرة، وإرادةٌ لا تعرف الانحناء.
وإذا كان الموت قد استطاع أن يأخذ جسدك، فإنه عجز عن أن يأخذ محبتك من القلوب، وعجز عن أن يمحو أثرك من الذاكرة، وعجز عن أن يطوي الصفحة التي كتبتها بصدقك وشجاعتك وإخلاصك.
نم هادئاً أيها الشهيد.
نم مطمئناً أيها القائد النظيف.
نم قرير العين أيها الإنسان النبيل.
فقد رحلت كما يتمنى الأحرار أن يرحلوا: مرفوع الرأس، نقي السيرة، ثابت الموقف، تاركاً وراءك إرثاً من المحبة والاحترام والوفاء.
المجد والخلود للشهيد لحبيب محمد عبد العزيز.
وستبقى، ما بقيت الذاكرة وفية، وما بقيت القلوب تعرف معنى الوفاء، ظلاً وارفاً يستظل به رفاقك، وتستضيء به الأجيال القادمة، وتفخر به القضية التي أحببتها حتى آخر نبضة من قلبك.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...