القائمة الرئيسية

الصفحات

عندما تتسع المسافة بين الصورة والواقع.

                      


إذا كانت القيادة الرشيدة تقوم على معرفة الواقع كما هو، فإن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يغيب الواقع، بل عندما تحل صورته محلّه. فالصورة، مهما بلغت دقتها، تظل جزءًا من الحقيقة وليست الحقيقة كلها، وتبقى انعكاسًا للواقع لا الواقع ذاته.
وقد تناول الأستاذ محمد فاضل محمد إسماعيل في مقاله "بين الحقيقة والصورة" جانبًا بالغ الأهمية من هذه الإشكالية، حين نبه إلى خطورة أن تصبح التقارير والانطباعات والوسائط البشرية حجابًا يفصل القيادة عن حقيقة ما يجري على الأرض. غير أن الخطر يتعاظم أكثر عندما لا تبقى تلك المسافة ثابتة، بل تبدأ في الاتساع عامًا بعد عام، حتى يصبح الواقع في جهة، والصورة المقدمة عنه في جهة أخرى.
في تلك اللحظة لا تعود المشكلة مجرد خلل في التقدير، بل تتحول إلى أزمة في الرؤية نفسها. إذ تصبح القرارات مبنية على ما يُعتقد أنه واقع، لا على الواقع الفعلي. وتتحول الطمأنينة إلى بديل عن التقييم، والتفاؤل إلى بديل عن التشخيص، والرغبة إلى بديل عن الحقيقة.
ولأن القضايا الوطنية ليست مشاريع عابرة، بل رهانات مصيرية تتعلق بمستقبل الشعوب وحقوقها وآمالها، فإن ثمن الخطأ فيها يكون مضاعفًا. فالشعوب قد تتحمل قلة الإمكانات، وقد تصبر على صعوبة الظروف، وقد تواجه خصومًا أشد قوة منها، لكنها تدفع أثمانًا باهظة عندما تُحرم من رؤية واقعها كما هو.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع وطني هو أن يصبح أسير الصورة التي رسمها عن نفسه. فعندما يتحول الحفاظ على الانطباع إلى أولوية تتقدم على معالجة الاختلالات، يبدأ التراجع من حيث يظن البعض أنهم يحققون التقدم. وعندما تصبح المكاشفة مصدر إزعاج، والمراجعة سببًا للحساسية، والنقد الصادق موضع شك، فإن أبواب التصحيح تبدأ في الانغلاق تدريجيًا.
وليس في التاريخ ما يدعو إلى الاطمئنان في هذا المجال. فكم من قضايا عادلة امتلكت رصيدًا هائلًا من التضحيات والشرعية، لكنها فقدت جزءًا من زخمها لأنها تأخرت في الإصغاء إلى الحقائق التي كانت تتشكل داخلها. وكم من تجارب كبيرة لم تسقط بسبب قوة خصومها بقدر ما أضعفها العجز عن قراءة واقعها بصدق وشجاعة.
إن الحقيقة لا تضعف القضايا العادلة، بل تحميها. والذي يهدد المشاريع الوطنية ليس الاعتراف بالخلل، بل الإصرار على تجاهله. لأن الخطأ الذي يُرى يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يُخفى خلف الصور المريحة فإنه يستمر في النمو حتى يصبح أكثر تعقيدًا وكلفة.
ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي للتضحيات لا يكون بترديد الشعارات وحدها، ولا بالاكتفاء باستحضار أمجاد الماضي، بل بامتلاك الجرأة الكافية لمساءلة الحاضر. فالأمم الحية لا تكتفي بالاحتفاء بتاريخها، وإنما تحرص على أن تبقى جديرة بذلك التاريخ.
إن الصورة قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالارتياح، لكنها لا تصنع مستقبلًا. أما الحقيقة، حتى حين تكون ثقيلة الوطأة، فإنها تمنح فرصة التصحيح والتدارك والبناء. ولذلك كانت الحقيقة دائمًا حليف الشعوب الساعية إلى الحرية، وحليف القضايا التي تريد الاستمرار والانتصار.
وعندما تتسع المسافة بين الصورة والواقع، لا يكون الخطر في تلك المسافة نفسها، بل في القرارات التي تُبنى فوقها، وفي التقديرات التي تنطلق منها، وفي الأعمار والجهود والتضحيات التي قد تُهدر بسببها.
ولهذا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تبقى النوافذ مفتوحة على الواقع، وأن يبقى باب المكاشفة أوسع من باب المجاملة، وأن يُنظر إلى الحقيقة باعتبارها ضرورة لا ترفًا، وشرطًا من شروط البقاء لا مجرد خيار من بين الخيارات.
ففي القضايا المصيرية لا يكون السؤال: كيف تبدو الأمور؟ بل كيف هي فعلًا. وبين السؤالين قد يتحدد مصير شعب، أو تتقرر وجهة قضية، أو يُرسم مستقبل أمة بأكملها. 

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...