نعرف جميعًا أن الانتخابات المغربية في الصحراء الغربية ليست، في جوهرها، سوى إحدى آليات الاحتلال لإنتاج مشهد سياسي مصطنع، وتقديمه بوصفه تعبيرًا عن ( الإرادة المحلية) ، في محاولة لإضفاء شرعية انتخابية على واقع فرض بالقوة. غير أن قيمة هذه الانتخابات، من زاوية أخرى، لا تكمن فقط في نتائجها، وإنما في ما تكشفه من تحولات داخل هندسة النظام المغربي لعلاقته بأدوات الاحتلال التي تدعي ( تسيير الشأن المحلي ) .
فالانتخابات، بالنسبة إلى من يقرأ ما وراء الصناديق، ليست مجرد أرقام ومقاعد وأحزاب، بل نافذة يمكن من خلالها رصد اتجاهات المخزن في إعادة توزيع النفوذ، وإنتاج الوجوه التي يريدها للمرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل خطاب كاذب سياسيا يجري تسويقه داخليًا وخارجيًا مفاده أن " ملف الصحراء الغربية قد حُسم لصالح الرباط " .
بيت القصيد ، أن المخزن يتجه تدريجيًا نحو الاستثمار في ( نخبة صحراوية جديدة) ؛ نخبة أقل تراكمًا للنفوذ، وأكثر قابلية لإعادة الضبط داخل هندسة السلطة. فالنخبة القديمة راكمت، على مدى عقود، المال والعلاقات وشبكات المصالح، إلى أن تحول بعض أفرادها من مجرد أدوات في يد السلطة إلى مراكز نفوذ قائمة بذاتها ، فالمخزن يستطيع تحمل موظف سياسي قوي، لكنه لا يستطيع تحمل فاعل سياسي قوي يعتقد أنه أصبح أقوى من وظيفته.
المخزن يستطيع الاستفادة من رجل يملك شبكة من العلاقات، لكنه يبدأ في القلق عندما تتحول تلك الشبكة إلى إمبراطورية نفوذ مستقلة ، ومن هنا تأتي حكاية ( القطط السمينة ) .
فالقط السمين، في قاموس السياسة المخزنية، ليس مجرد شخص ثري أو "منتخب" نافذ ، إنه شخص تراكم لديه المال والنفوذ والعلاقات إلى درجة أصبح معها قادرًا على المبادرة بدل الاكتفاء بالتنفيذ ، وعلى التأثير في القرار داخليا بدل انتظار التعليمات ، واختراق رجال الداخلية وشرائهم بالمال بدل العكس ، وهذا النوع من القطط لا يُترك عادةً يعبث في حمٌار لݣويم ، والمخزن بالتأكيد تابع بنرفزة ما حدث في ( مؤتمر بوزنيقة ) ، وركوع نزار بركة إبن دار المخزن وتقديمه وعد لأحدهم بتوضيف إبن أحد ( الأدوات في الصحراء ) كوزير مقابل حصوله على منصب الامين العام وانقلابه بعد ذلك على هذا الوعد وغلق الهاتف بعد أن نال مبتغاه ، وتدخل فؤاد علي الهمة ودفع الاحزاب لانتخاب " الابن " في منصب " هام " كعلاج لخطأ نزار الذي استهان بالامور ، ولولا ذلك لما صعد نزار من جديد وحافظ على صورة سيطرة الفاسيين على حزب الميزان ، خاصة و أن المعني هو حفيد علال الفاسي مؤسس الحزب .
بالعودة للموضوع الاساسي فالمسألة، إذن، ليست تغيير أسماء فحسب، وإنما إعادة هندسة للمشهد السياسي والاجتماعي في الصحراء الغربية المحتلة ، فالسلطة التي صنعت بعض هذه الوجوه على مدى عقود، قد تكون هي نفسها التي قررت أن صلاحيتها انتهت، وعندما تصبح الأداة قديمة أكثر من اللازم، وشبكة مصالحها أوسع من المطلوب، تبدأ مباشرة عملية الاستبدال ، لكن المخزن لا يسقط قطًا سمينًا دفعة واحدة ، لأن ذلك قد يكون مكلفاً سياسيا ولربما ميدانيا ، بالتالي من الضروري فعل الفعلة ( ما بانت بلد التركيبة ) .
وما دام الأمر مكلف وفيه ( صداع الراس ) فالأكثر أمانًا ، حسب التيكنيك المغربي ، هو الإضعاف التدريجي: تقليص النفوذ، تغيير موازين القوى، تفكيك شبكات التحالف، إعادة توزيع الامتيازات، بعدها الدفع بوجوه جديدة ثم ترك القط السمين يكتشف في النهاية أنه لا يزال يملك القصر والسيارات والأموال، لكنه فقد الشيء الأهم : القدرة على التأثير و النفوذ ، وفي حالة فشل كل هذا تأتي سياسية الكميون لحمر كآخر خيار والتي تم تطويرها ل : انتحار ، وفاه الاجل المحتوم بعد صراع طويل مع المرض ، وعكة صحية مفاجئة .... الخ ، والمخابرات المغربية راكمت تجربة مهمة في مثل هذه العمليات .
من جانب آخر ، يمكن قراءة وضع ( جوكر الداخلة ) ، القادم من مدرسة 12 أكتوبر، والذي كان ضمن حضيرة "الميزان "، باعتباره ليس مجرد تغيير للون حزبي انتخابي عابر بل جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب الأوراق، وإنتاج توازن جديد داخل ( النخبة الصحراوية ) الموالية للاحتلال .
فالمقاربة المغربية في مثل هذه الأمور لا تُقرأ فقط بمن فاز، وإنما أيضًا بمن تراجع، ومن صعد، ومن فُتح له الطريق، ومن أُغلقت أمامه الأبواب ، لكن المشكلة التي يواجهها المخزن مع بعض ادواته في الصحراء الغربية ليست في الولاء المعلن، وإنما في حجم النفوذ المتراكم. فالرجل الذي يبدأ " حياته السياسية " باعتباره " واجهة محلية " للسلطة قد يجد نفسه، بعد سنوات، مالكًا لشبكة من المصالح والعلاقات والأتباع. وفي لحظة معينة، يصبح من الصعب على المركز أن يعرف أين تنتهي وظيفته وأين يبدأ نفوذه الشخصي ، وهنا تدخل الأجهزة التي لا تنتظر عادةً وصول المشكلة إلى مرحلة الانفجار.
فعندما يبدأ أحد ( القطط السياسية ) في السمنة سياسيًا واقتصاديًا، تصبح حركته تحت المجهر : تُقاس علاقاته، وتُراقب تحالفاته، ويُرصد تمدده، وتُختبر قدرته على التأثير ، وإذا تبين أن القط تجاوز المساحة المسموح بها، تبدأ عملية قص مخالبه ولن تكون بالضرورة عملية صاخبة ، قد تبدأ بإبعاد شخص من موقع، أو حرمان آخر من دعم، أو دفع منافس جديد إلى الواجهة، أو تغيير التحالفات الانتخابية، أو إعادة توزيع شبكات المصالح. وبعد ذلك، يتكفل الزمن بالباقي ، وهكذا يتحول الرجل الذي كان بالأمس ( رجل الدولة القوي في الصحراء ) إلى مجرد رجل آخر في طابور طويل من الرجال الذين صنعتهم الدولة ثم تجاوزتهم عندما تغيرت حاجتها إليهم ، والمثال واضح في عائلات معروفة خدمت المخزن منذ سبعينيات القرن الماضي وهي الان تتخبط في الفضائح المصطنعة و المشاكل العائلية الداخلية .
( علاه الدولة تقصينا من المفاوضات؟ ) .
ربما لا توجد عبارة تختصر هذه العلاقة أكثر من تلك التي قالها القادم من مدرسة 12 أكتوبر، ذات ليلة هادئة تحت خيمة قرب الداخلة المحتلة، خلال أيام مفاوضات مدريد، حين قال غاضبًا: ( علاه الدولة تقصينا من المفاوضات، وحنا اللي ضحّينا بصورتنا وتاريخنا من أجلها؟) . قد تبدو العبارة، في ظاهرها، مجرد لحظة غضب عابرة. لكنها، سياسيًا، أكثر من ذلك بكثير ، وصاحبها سيدفع الثمن بالتأكيد اليوم أو غدا ، ففي حسابات المخزن لا تسقط مثل هذه الأمور بالتقادم بالضرورة ، وقد يأتي ثمنها، سياسيًا أو غير ذلك ولو بعد حين.
إن الجملة التي قالها المعني في لحظة غياب عن مشهد المفاوضات بعدما كان حاضرا كفلكلور في جنيف ، تكشف عن عقدة عميقة داخل هذه القطط : إنها تريد أن تكون جزءًا من القرار، بينما يريدها المركز أن تكون جزءًا من التنفيذ فقط ، وهذه هي المعادلة التي يصعب حلها داخل منظومة تقوم على مركزية القرار ، وحصرية صنع التخطيط في القصر ومن يقف خلفه .
فالذي يقول أنه ( ضحي بصورته وتاريخه من أجل الدولة ) يريد، في لحظة ما، أن يعرف لماذا اتخذت الدولة القرار من دونه. ولربما كان يطمح بغباء ، عاجلًا أم آجلًا، أن يكون حاضرًا عندما تُصنع القرارات الكبرى ، لكنه تجاهل تلك القاعدة التي قالها أهل فاس " المخزن لا يحب الشركاء " ، إن القصر يحب كثرة الأدوات ، وعندما تبدأ الأداة في الاعتقاد بأنها أصبحت شريكًا، تبدأ المشكلة .
فتاريخ العلاقة بين المخزن و الأدوات الصحراوية يفرض، في نهاية المطاف، قاعدة واحدة: الولاء لا يعني الشراكة، والامتثال لا يمنح صاحبه حق المشاركة في صناعة القرار ،ولهذا فإن كل أداة جديدة يتم الدفع بها إلى الواجهة تحمل معها سؤالًا مؤجلًا: هل ستكون مجرد نسخة جديدة من الأداة القديمة، أم ستعيد إنتاج المشكلة نفسها بعد سنوات؟ .
فالقط السمين الذي يُستبدل اليوم قد لا يكون آخر القطط ،وقد يكتشف المخزن، غدًا، أن الوجوه الجديدة التي يصنعها الآن بدأت هي الأخرى في السمنة السياسية والاقتصادية، وأن التاريخ يعيد نفسه: أداة صارت نفوذًا، ونفوذ صار طموحًا، وطموح صار خطرًا، وخطر صار هدفًا لإعادة الضبط.
أما "جوكر الداخلة " فقصته لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد ، وإذا كان تغيير لونه الحزبي يمثل بداية مرحلة جديدة، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا غيّر، وإنما لماذا سمح له بالتغيير الآن؟ ومن الذي تراجع لكي يغيّر ؟ ومن الذي قرر أن الوقت قد حان لإعادة ترتيب الطاولة؟ ، والمعروف عند أهل الخبرة في السياسة المخزنية، أن الإجابة عن هذه الأسئلة أهم بكثير من نتائج الانتخابات نفسها ، فالانتخابات قد تعلن الفائزين ، لكن المخزن هو الذي يقرر، في النهاية، من يبقى قطًا سمينًا... ومن تبدأ عملية تجريده من السمنة.
في النص أعلاه رسالة للقطط السمينة والقطط الصاعدة التي تبحث عن دورها في مسلخة المخزن ( شفاها الله ولا بلانا ) ، في النص أشياء يفهمها القط السمين ولربما لايحتجنا لإظهار ما ينتظره ، ونحن الذين اخترنا أن نكون في الصف الذي ثبتت أصابع أهله على الزناد كخيار للتحرير بعيداً عن الركوع لغير الله . أما آخر ما نريد قوله ولربما لن تآخذنا الاجيال القادمة عليه هو أننا سنحرر تلك الأرض أو نموت دونها بعيداً عن معادلات المخزن و مخططاته التي أطلعناكم على جزء منها و الباقي سيبقى طي الكتمان لأن مواجهته ليست مرتبطة بالضرورة بنشره كالحالة الساطعة الواضحة في هذه الرسالة .
انتهى .
امبارك سيدأحمد مامين
