يُنتظر أن تعقد الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو — بصفتها أعلى هيئة قيادية للحركة والدولة بموجب القانون الأساسي — دورة عادية خلال الأيام القليلة القادمة، وسط تساؤلات ملحة حول مدى توافر إرادة سياسية حقيقية لترتيب البيت الداخلي والاستجابة لمطالب الإصلاح لمواجهة المخاطر التي تهدد المصير المشترك. وما يعزز هذه الشكوك هو استمرار السلطة في استبعاد الكفاءات والرأي الآخر من أي مراجعات تقييمية، والرهان دائما على شخصيات أثبتت فشلها، فضلاً عن اضاعة فرص ثمينة — كملتقى الأمناء والمحافظين والندوة الوطنية للإدارة — كان يُفترض أن تشكل مدخلاً لنقاش وطني شامل.
وكما أشرتُ في الجزء الأول، يواجه شعبنا مخططات دولية خطيرة تسعى لمصادرة حقوقه المشروعة وتقويض مكاسبه التي حققها بالغالي والنفيس، وهو ما يستدعي استنهاض مكامن قوتنا الذاتية لمواجهتها بحزم، عملا بالمثل الشعبي" لجرب ايحكلو الا فمه". ومن هنا، تتجلى الأهمية الاستثنائية للدورة المقبلة للأمانة الوطنية، التي يتصدر جدول أعمالها التحضير للمؤتمر السابع عشر (المزمع عقده بين أواخر هذا العام ومطلع العام المقبل)، والذي نأمل أن يشكل محطة فارقة في مسار كفاحنا التحريري.
إن التحديات الجسام التي تواجه قضيتنا الوطنية تفرض على أعضاء الأمانة الوطنية الاضطلاع بمسؤوليتهم التاريخية من خلال تغليب المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الضيقة والتناغم مع النَبْض الشعبي لإحداث نهضة شاملة تُجدد الأمل وتُعزز خيار النصر. ومع اقتراب نهاية العهدة، يحلّ موعد المحاسبة وتحديد المسؤوليات عن الاخفاقات، مما يجعل من الضروري أن تُمارس الهيئة كامل صلاحياتها، ويتحلى أعضائها بالشجاعة السياسية لإجراء تقييم دقيق وشفاف لذاتها وللتجربة الوطنية عامة. وفي هذا السياق، يغدو لزاماً على لجنة الرقابة تقديم تقاريرها وإحاطة الرأي العام – بشفافية تامة – بكل التجاوزات والخروقات الصريحة للمسؤولين على كافة المستويات القيادية دون استثناء (كلها وكتابه على ظهره)، ترسيخاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضماناً لتحمّل كل مقصّر تبعات تقصيره.
ومن هذا المنطلق، يتعين على الأمانة الوطنية توفير مناخ سياسي ملائم يضمن تحضيراً محكماً للمؤتمر السابع عشر وتأمين نجاح هذه المحطة المفصلية، وذلك من خلال الإعلان عن مصالحة شاملة وتشكيل لجنة تحضيرية جامعة تستوعب مختلف الكفاءات والرؤى. وفي تقديري، فإن ثمة خمس أولويات رئيسية يجب أن يتمركز حولها عمل هذه اللجنة، على أن يُطرح لاحقاً نتاجُ هذا العمل على القواعد الشعبية للإثراء والتعديل، تمهيداً لرفعه إلى المؤتمر للمصادقة النهائية.
أولاً: مراجعة وتحديث منظومة تدبير الشأن العام وأطرها القانونية لضمان الفاعلية والتكامل بين هياكل الحركة والدولة، اضافة الى ترسيخ معايير الكفاءة في شغل المناصب وتكريس مبادئ الرقابة والمحاسبة والممارسة الديمقراطية.
ثانياً: تطوير القدرات القتالية للجيش، بما يكفل قلب موازين القوة العسكرية، وبالأخص استعادة السيادة على الأراضي المحررة.
ثالثاً: الاستثمار الأمثل في الإرادة الوطنية لاستكمال تحرير الوطن وتنمية المهارات البشرية، خاصة الشابة، اضافة الى تعزيز مقومات الصمود عبر النهوض بقطاعات التعليم والصحة والخدمات، وتكريس نهج الاعتماد على الذات لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
رابعاً: إعادة بناء المقاومة في المناطق المحتلة كجبهة مواجهة يومية مع سياسات الاحتلال لفرض الامر الواقع، وتحديث أساليبها بما يضمن تصاعد أعمالها الميدانية وتوسيع نطاقها.
خامساً: بلورة استراتيجية دبلوماسية وإعلامية ديناميكية تواكب التحولات الدولية لإحباط مخططات العدو ومناوراته واستعادة وهج الدعم العالمي لحق تقرير المصير وتعزيز مكانة الدولة الصحراوية على الساحة الدولية.
وفي الختام، فإن في الآية الكريمة التالية ما يكفي من العبرة لمن تدبرها بقلب صادق " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" صدق الله العظيم (الأنفال: 27).
الديش محمد الصالح
%20(1).jpeg)