لطالما أتحفتنا الآلة الدعائية للمخزن بقصص أقرب إلى أساطير ( هوليوود ) عن أجهزتها الأمنية؛ تلك العيون التي لا تنام، والآذان التي تخترق الجدران، والقبضة التي تحصي أنفاس البشر من طنجة إلى أقاصي المعمورة.
صُدِّعت الرؤوس ( بالديستي ) ومخابرات القصر المباشرة و ( لادجيد )، وصُوِّرت هذه الفروع كقلاع حصينة لا يأتيها الباطل أو الإختراق من بين يديها ولا من خلفها.
لكن، ويا للمفارقة الساخرة، إستيقظت هذه ( الأسطورة ) على وقع زلزال رقمي جعل من ( القلعة المحصنة ) مجرد بيت عنكبوت تذروه الرياح السيبرانية.
إن إنكشاف قوائم تضم عشرات الآلاف من الأسماء، والبيانات، والأوامر بمهمة، يمثل فضيحة مدوية تنسف رواية ( الإستثناء الأمني ) نسفاً كاملاً.
كيف لجهازٍ يزعم أنه يحمي أمن دول قارية، ويعطي الدروس للعواصم الغربية، أن تتبعثر عورته السرية بهذه البساطة على أرصفة الفضاء الرقمي؟ أين كانت تلك العبقرية الإستخباراتية المدعاة عندما كانت الخوادم تُفرغ من محتواها، والملفات الحساسة تُسحب كأوراق الخريف؟
يبدو أن الإنشغال بتعقب المعارضين، وصناعة بروبغندا القوة الزائفة، قد أنسى هؤلاء أبجديات حماية أنفسهم، ليتحول ( الجبروت ) المزعوم إلى مادة للتندر والتهكم، بعدما تبين أن تلك الهالة الأسطورية لم تكن سوى بالوناً نفخته الماكينة الإعلامية، وانفجر عند أول دبابيس المواجهة الرقمية الحقيقية.
وإذا تركنا جانباً هذا السقوط الأخلاقي والمهني المضحك لأجهزة المخزن، فإن الوجه الآخر لهذه الفضيحة يحمل صبغة سوداوية قاتمة لا بد أن يستفيق عليها المجتمع الأوروبي.
أيتها الشعوب الأوروبية، يا من تؤمنون بالحرية، وسيادة القانون، وحرمة الحياة الخاصة.. إن هذه البيانات المسربة ليست مجرد أرقام، بل هي شبكة أخطبوطية تعيش بينكم، تتنفس هواءكم، وتخترق فضاءكم اليومي بأقذر الأساليب.
بينما تغرق أنظمتكم الحاكمة في حسابات المصالح الضيقة، وتمارس تواطؤاً مخزياً مع عصابة المخزن بذريعة شراكات الطاقة، وضبط الحدود، والتجارة، فإن أمنكم المجتمعي الحقيقي قد تم بيعه في سوق النخاسة الدبلوماسية.
هذا الإختراق المخابراتي الفج يعمي الأبصار؛ إنه ليس موجهاً ضد دول، بل ضد نسيجكم الإجتماعي… عملاء صالوا وجالوا، زرعوا أجهزة التنصت، واخترقوا الهيئات الإقتصادية، ورشوا السياسيين لشراء ذممهم وتوجيه قراراتهم.
والأخطر من ذلك كله، إستخدام آلاف البشر، والنساء، والأطفال كقطع شطرنج في مخططات تهجير جماعية ممنهجة، كما حدث في سبتة، للضغط والإبتزاز السياسي، إنها حرب قذرة تُدار في شوارعكم، وخلف جدران مؤسساتكم، بأموال وتوجيهات مباشرة من قصر الرباط.
لا يمكنكم بعد اليوم الوقوف موقف المتفرج، فالخطر لم يعد على الحدود، بل بات ينام في أحيائكم، ويتحكم في نخبكم السياسية التي إشترتها أموال الرشاوي، مما يستدعي إنتفاضة وعي شعبي تقطع دابر هذا التغلغل السرطاني الإستبدادي في قارتكم.
هذا الموقف يتطلب وقفة حاسمة على مستويين :
أولاً، هذه الفضيحة الرقمية المدوية تستوجب المساءلة الفورية والإقالة العاجلة للمدير العام للأمن الوطني ولمديرية مراقبة التراب الوطني، المدعوا عبد اللطيف الحموشي، الملقب ببوسطيلة بإعتبار أن هذه القوائم المنشورة تخص موظفين يقعون تحت مسؤوليته المباشرة، وهو إجراء بديهي لو كنا في دولة تحترم نفسها وتحمل المعنى الحقيقي للمؤسسات، لكن العكس هو الحاصل في واقع أشبه بالمنظومات المافيوية.
ثانياً، يتعين على الأجهزة الأمنية والمخابراتية وسلطات الهجرة داخل الإتحاد الأوروبي فتح تحقيق عاجل وصارم في الأسماء الواردة في هذه القوائم، مع إتخاذ قرار حاسم بترحيل كل من يثبت تورطه في أعمال مشبوهة لصالح المخزن خارج حدود الإتحاد فوراً.
شحذ الأقلام، وصناعة الوعي، كشف المستور؛ تلك هي الأمانة الملقاة اليوم على عاتق الصحافة الأوروبية المستقلة، التي لم يعد مقبولاً منها أن تقف موقف المتفرج العاجز أو المحايد أمام هذا التغلغل السرطاني.
أيتها الأقلام الحرة في القارة العجوز، إن دوركم اليوم يتجاوز مجرد نقل الأخبار إلى قيادة جبهة الدفاع عن قيم المجتمعات الحقوقية والإنسانية؛ فبعد أن بلغ الإختراق المخزني مبلغه، وتغلغل في مفاصل السياسة، والمال، وحقوق الإنسان، بل وحتى النسيج الإجتماعي اليومي، أصبح الصمت شريكاً في الجريمة.
إن الأنظمة الغربية المكبلة بحسابات المصالح البراغماتية الضيقة قد أغمضت أعينها طوعاً، وسمحت لعصابة المخزن بالعبث ( بسيادة القانون ) التي تتبجحون بها.
هنا يأتي دوركم التاريخي في التحذير الفوري والتوجيه الحاسم، لتعرية هذا الأخطبوط الذي يشتري الذمم ويزرع الفتن والتجسس في عواصمكم.
لتكن تحقيقاتكم الجريئة وكتاباتكم الصادمة هي السلاح الذي يوقظ الشعوب، ويفضح المتواطئين، ويكسر جدار التعتيم؛ فالكلمة الحرة هي الحصن الأخير المتبقي لحماية ما تبقى من ديمقراطية مهددة بالبيع في مزاد الرشاوي والإبتزاز الإستخباراتي
