القائمة الرئيسية

الصفحات

المغرب يشتري الرواية في واشنطن: معركة جديدة حول الصحراء الغربية



بقلم: سلامو أحمد، دبلوماسي صحراوي
أقدمت المملكة المغربية مؤخراً على خطوة ينبغي أن تستوقف الدبلوماسية الصحراوية بجدية، من خلال التعاقد في واشنطن مع شركة Qorvis ، وهي من الشركات الأمريكية ذات الخبرة الواسعة في مجال الاتصال الاستراتيجي والعلاقات العامة والتأثير السياسي، مقابل 35 ألف دولار شهرياً، في إطار علاقة مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي FARA.
الأمر لا يتعلق بمجرد التعاقد مع وكالة للتواصل والإعلام.
ففي السياسة الدولية، وخاصة في النزاعات الممتدة مثل قضية الصحراء الغربية، من ينجح في فرض الرواية، ينجح في كثير من الأحيان في تحديد الأرضية التي يُجبر الآخرون على الدفاع من خلالها عن مواقفهم.

ويبدو أن المغرب قد فهم هذه الحقيقة جيداً.

المال ليس هو الأهم

قد يبدو مبلغ 35 ألف دولار شهرياً رقماً مهماً، لكن الأهم ليس مقدار ما يدفعه المغرب، وإنما لماذا هو مستعد لدفع هذا المبلغ في واشنطن.

فالمغرب لديه بالفعل سفارة ودبلوماسيون ومستشارون وهياكل رسمية. فلماذا يلجأ إلى شركة أمريكية متخصصة في الاتصال الاستراتيجي؟

تكمن الإجابة، على الأرجح، في حاجة لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية وحدها تلبيتها: بناء وتعزيز ونشر رواية سياسية تخدم مصالحه داخل مراكز القرار الأمريكية.

فهناك فرق بين أن تشرح حكومة ما موقفها بشكل رسمي، وبين أن تنجح في جعل الصحفيين وأعضاء الكونغرس والمستشارين والجامعات ومراكز التفكير وقطاعات مؤثرة من المجتمع الأمريكي تنظر إلى نزاع معين من خلال الإطار الذي تم بناؤه لها.

وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لشركة Qorvis.

المعركة لم تعد تُخاض في الأمم المتحدة فقط

على مدى عقود، جرى الصراع حول الصحراء في الأمم المتحدة، وفي العواصم ووزارات الخارجية، وفي قاعات المفاوضات.

لكن اليوم هناك ساحة أخرى للمعركة: بناء الرواية على المستوى الدولي.

يسعى المغرب إلى تقديم مقترح الحكم الذاتي باعتباره حلاً «واقعياً» و«براغماتياً» و«يكاد يكون حتمياً». وفي الوقت نفسه، يعمل تدريجياً على نقل لغة النزاع من مسألة تصفية الاستعمار وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، إلى مفاهيم مثل الاستقرار والأمن والتنمية والواقعية السياسية.

ولا ينبغي لنا أن نقلل من أهمية هذه الاستراتيجية.

فالخطر على القضية الصحراوية لا يكمن فقط في أن ينجح المغرب في الحصول على مزيد من المواقف المؤيدة له. الخطر الأكبر هو أن ينجح في تغيير الإطار الذي يُنظر من خلاله إلى النزاع.

ما يقوله العقد ليس بالضرورة كل العملية

هنا يجب أن نكون دقيقين.

إن تسجيل العلاقة بموجب قانون FARA يسمح لنا بمعرفة وجود العلاقة، والجهة المتعاقدة، والمقابل المالي، وبعض عناصر الخدمات المعلنة. لكن سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن وثيقة تعاقدية منشورة للعموم تتضمن بالضرورة كامل استراتيجية التأثير السياسي.

فالعمليات الكبرى في مجال الاتصال والتأثير لا تتم فقط من خلال البنود المكتوبة في العقود.

إنها تتم أيضاً عبر الاتصالات والاجتماعات والمقالات والمقابلات والفعاليات وشبكات النفوذ والعلاقات مع الصحفيين والخبراء وأعضاء الكونغرس والمستشارين ومراكز التفكير.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

ماذا ورد في عقد Qorvis؟

بل السؤال الأهم هو:

ماذا سيبدأ بالحدوث في واشنطن حول قضية الصحراء بعد التعاقد مع Qorvis؟

وهنا تحديداً ينبغي للدبلوماسية الصحراوية أن تركز اهتمامها.

المغرب فهم أمراً لا يمكننا تجاهله

لقد أدرك المغرب أن دبلوماسية القرن الحادي والعشرين لا تقتصر على إرسال المذكرات الدبلوماسية أو عقد الاجتماعات الرسمية.

إنها تعني أيضاً الاستباق في بناء الحجج التي سيستخدمها الآخرون غداً في مواقفهم السياسية.

فإذا نجح المغرب في جعل صحفيين وباحثين وأعضاء في الكونغرس ومسؤولين سياسيين أمريكيين يكررون، على مدى أشهر، المفاهيم نفسها حول الصحراء، فإن هذه المفاهيم ستكتسب مع الوقت مظهراً من مظاهر «الطبيعية» والقبول.

وعندما تصبح رواية سياسية معينة أمراً عادياً ومتداولاً، يصبح التصدي لها أكثر صعوبة.

ولهذا ينبغي أن يكون التعاقد مع Qorvis بمثابة جرس إنذار بالنسبة لنا.

ليس لأن المغرب اكتشف شيئاً جديداً، وإنما لأنه يؤكد أنه مستعد لاستثمار موارد مالية ومهنية في معركة سردية طويلة الأمد.

وماذا عنا نحن؟

هنا تنتقل القضية من كونها شأناً مغربياً إلى كونها قضية صحراوية بامتياز.

لا يمكننا أن نكتفي بإدانة كل مبادرة مغربية بعد وقوعها.

ولا يمكن أن نسمح بأن تظل دبلوماسيتنا تعمل دائماً في موقع رد الفعل.

إذا كان المغرب يتعاقد مع محترفين لتعزيز روايته في واشنطن، فلا يمكن أن يقتصر الرد الصحراوي على القول إن المغرب يمارس الدعاية.

علينا أن نسأل أنفسنا:

ما هي روايتنا؟

من يدافع عنها؟

وفي أي فضاءات يتم نشرها؟

ما هي علاقتنا بالخبراء الأمريكيين الذين يفهمون فعلاً القضية الصحراوية؟

وما هي علاقاتنا بوسائل الإعلام ومراكز التفكير التي تؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية؟

والأهم من ذلك:

هل نصل قبل المغرب، أم أننا ما زلنا نصل بعده؟

الصحراء تحتاج إلى دبلوماسية تفكر بمنطق الاستراتيجية

المسألة ليست تقليد المغرب، ولا إنفاق الأموال لمجرد أنه ينفقها.

المسألة هي فهم أن الدبلوماسية الحديثة تحتاج إلى المعرفة والمهنية والتخطيط والقدرة على التواصل والتأثير.

القضية الصحراوية تمتلك من الحجج التاريخية والقانونية والسياسية ما يكفي، وهي لا تحتاج إلى اختراع حجج جديدة.

لكن امتلاك الحجج وحده لا يكفي.

يجب أن نعرف كيف نقدمها.

وأين نقدمها.

ولمن نقدمها.

وأن نفعل ذلك قبل أن ينجح خصمنا في احتلال كامل الفضاء.

إن التعاقد مع Qorvis ينبغي، لذلك، ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد خبر مالي، وإنما باعتباره إشارة استراتيجية.

المغرب يستثمر في واشنطن لتعزيز روايته حول الصحراء.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه نحن الصحراويين ليس كم ينفق المغرب من الأموال.

السؤال أكثر إزعاجاً:

ماذا نفعل نحن حتى تكون للرواية الصحراوية مكانتها وحضورها ومصداقيتها وتأثيرها في المكان الذي تُصنع فيه القرارات المتعلقة بمستقبل قضيتنا؟

لأننا في المعركة الدبلوماسية الحالية لا يكفي أن تكون على حق.
بل يجب أيضاً أن تجعل العالم يسمع هذا الحق ويفهمه ويدافع عنه.
سلامو أحمد
دبلوماسي صحراوي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...