تتزايد المؤشرات على تحوّل ملف الهجرة غير الشرعية إلى ورقة ضغط سياسية في العلاقات المغربية الأوروبية، بعدما سلطت تقارير إعلامية أوروبية الضوء على توظيف الرباط لتدفقات المهاجرين والتعاون في مجال مراقبة الحدود للتأثير في مواقف عدد من العواصم الأوروبية.
ويتفق خبراء حدثتهم “الأيام نيوز”، على أن نظام المخزن يستند إلى موقعه الجغرافي وتحكمه في أحد أهم مسارات الهجرة نحو أوروبا لربط هذا الملف بحسابات سياسية تتجاوز أبعاده الأمنية والإنسانية، خصوصا ما يتعلق بموقف الدول الأوروبية من قضية الصحراء الغربية المحتلة.
في هذا السياق، أشارت مجلة “بروفيل” النمساوية إلى أن إسبانيا ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تعرضت لضغوط مرتبطة بملف الهجرة، مستحضرة حالات شملت دولا أخرى بينها النمسا، حيث ربطت المجلة بين تصاعد طلبات اللجوء والتفاوض حول التعاون في عمليات الترحيل وبين تحولات في المواقف السياسية تجاه قضية الصحراء الغربية المحتلة.
فمن جانبه، أفاد حمة المهدي، ناشط وإعلامي صحراوي، بأن المغرب يوظف ملف الهجرة غير الشرعية كورقة ضغط سياسية على الدول الأوروبية، بهدف انتزاع مواقف سياسية ودفعها إلى تبني أطروحته بشأن قضية الصحراء الغربية المحتلة، مبرزا أن “تسييس الهجرة” أصبح إحدى أبرز الأدوات التي تعتمدها الرباط في إدارة علاقاتها مع أوروبا.
المغرب يوظف الهجرة لانتزاع مواقف بشأن الصحراء الغربية
وأوضح حمة المهدي أن المغرب سبق أن استخدم هذه الورقة في علاقته مع إسبانيا، مستشهدا بما حدث خلال الفترة الماضية من تدفق جماعي للمهاجرين نحو مدينة سبتة، حيث قال إنه تم الزج بنحو 8000 مغربي في تنظيم هجرة جماعية لإغراق المدينة بالمهاجرين، لافتا إلى أن هذه الخطوة شكلت وسيلة ضغط مباشرة على مدريد، في محاولة لانتزاع تنازلات سياسية منها.
وأشار المتحدث إلى أن هذا الضغط تزامن مع التحوّل الذي طرأ على الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، بعدما انتقلت حكومة بيدرو سانشيز من موقف تقليدي يقوم على احترام الشرعية الدولية وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، إلى دعم مقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط.
وأضاف أن هذا التحوّل أثار انتقادات داخل الساحة السياسية الإسبانية، سواء من جانب أحزاب سياسية أو فعاليات من المجتمع المدني، باعتباره تغييرا في موقف تاريخي لإسبانيا تجاه قضية الصحراء الغربية، خاصة وأنها كانت القوة الاستعمارية السابقة للإقليم.
وأكد حمة المهدي أن المغرب حاول، بعد ذلك، توسيع أسلوب الضغط ليشمل دولا أوروبية أخرى، من خلال توظيف ملف الهجرة والتعاون الأمني في التفاوض معها، بهدف التأثير في مواقفها من القضية الصحراوية، مبرزا أن الرباط تسعى إلى تحويل موقعها الجغرافي وتحكمها في أحد أهم مسارات الهجرة نحو أوروبا إلى أداة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية.
وفي المقابل، أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية لا يزالان متمسكين بالمسار الأممي لحل النزاع في الصحراء الغربية وبضرورة التوصل إلى حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، رغم الضغوط التي تمارسها الرباط على عدد من العواصم الأوروبية.
وأضاف أن موجات الهجرة الأخيرة أعادت الملف إلى واجهة النقاش الأوروبي، بعدما تجاوزت تداعياتها إسبانيا وأصبحت مصدر قلق لعدد من الدول الأوروبية، التي باتت تخشى انتقال الضغوط المرتبطة بالهجرة إلى حدودها، لافتا إلى أن بعض الدول اتجهت إلى تشديد إجراءات المراقبة على حدودها، تفاديا لتكرار ما شهدته إسبانيا من تدفقات جماعية للمهاجرين.
ويرى محدثنا أن هذا التطور يكشف حدود سياسة توظيف الهجرة كورقة ضغط، بعدما بدأت تداعياتها تثير قلقا جماعيا داخل أوروبا، مشيرا إلى أن استمرار تدفقات الهجرة يمكن أن يدفع دولا أوروبية إلى إعادة النظر في آليات تعاونها مع الرباط، خصوصا في المجالات المرتبطة بالهجرة والأمن ومراقبة الحدود.
كما أكد الناشط الصحراوي أن توظيف ملف الهجرة لا يقتصر على انتزاع مواقف سياسية بشأن الصحراء الغربية، بل يمتد أيضا إلى الحصول على دعم مالي واتفاقيات مرتبطة بالتعاون الأمني، معتبرا أن المغرب يسعى إلى الاستفادة من موقعه في إدارة ملف الهجرة للحصول على موارد مالية إضافية.
وفي السياق ذاته، أشار إلى تزايد تدفقات المخدرات وارتباطها بشبكات الجريمة المنظمة، مبرزا أن هذه الملفات تشكل، إلى جانب الهجرة، أدوات ضغط توظفها الرباط في علاقاتها مع الدول الأوروبية، بهدف الحصول على مكاسب سياسية ومالية مقابل التعاون في مجالي الأمن والهجرة.
وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أبرز حمة المهدي أن ملف الهجرة أصبح جزءا من استراتيجية أوسع لتوظيف الملفات الأمنية والحدودية في خدمة أهداف سياسية، لافتا إلى أن استمرار هذا النهج يضع أوروبا أمام تحدي الموازنة بين حاجتها إلى التعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والأمن، وبين تمسكها بالمبادئ التي تحكم موقفها من قضية الصحراء الغربية.
المخزن يحوّل الهجرة إلى أداة ابتزاز سياسي لأوروبا
من جهته، يرى أيوب عرفي، محلل سياسي أن توظيف المغرب لملف الهجرة غير النظامية في علاقاته مع الدول الأوروبية بات يمثل إحدى أدوات الضغط السياسي التي تعتمدها الرباط للتأثير في مواقف العواصم الأوروبية، لا سيما بشأن قضية الصحراء الغربية المحتلة.
وأوضح عرفي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المغرب يستند في هذه الاستراتيجية إلى موقعه الجغرافي وتحكمه في أحد أهم مسارات الهجرة نحو الضفة الأوروبية، وهو ما يمنحه هامشا للتأثير في حسابات عدد من الدول الأوروبية، خاصة إسبانيا، من خلال ربط التعاون في مجال مراقبة الحدود ومكافحة الهجرة بمواقف سياسية تتجاوز الملف الأمني والإنساني.
وأشار المتحدث إلى أن أزمة سبتة سنة 2021 شكلت مثالا بارزا على هذا النوع من التوظيف، بعدما شهدت المدينة تدفقا كبيرا للمهاجرين، في سياق توتر دبلوماسي بين الرباط ومدريد، معتبرا أن هذه التطورات كشفت مدى قابلية ملف الهجرة للتحول إلى ورقة ضغط في العلاقات المغربية الأوروبية.
وأبرز عرفي أن استمرار اعتماد أوروبا على المغرب في ضبط الحدود والحد من تدفقات الهجرة يعزز القيمة التفاوضية لهذه الورقة، إذ تستطيع الرباط توظيف مخاوف الدول الأوروبية من تداعيات الهجرة للضغط من أجل الحصول على مواقف سياسية أكثر قربا من طرحها بشأن قضية الصحراء الغربية المحتلة.
وأضاف أن خطورة هذه الاستراتيجية تكمن في عدم حاجتها دائما إلى تهديدات معلنة، إذ يكفي إدراك الجانب الأوروبي أن أي توتر سياسي قد ينعكس على مستوى التعاون الحدودي حتى تتحول الهجرة إلى عنصر مؤثر في الحسابات الدبلوماسية الأوروبية.
أشار المحلل السياسي إلى أن هذه المعادلة تضع الاتحاد الأوروبي أمام تحد حقيقي، لأن أي أزمة حدودية مع المغرب قد تتحوّل سريعا إلى قضية ذات تداعيات سياسية وأمنية داخل الدول الأوروبية، خصوصا إسبانيا، قبل أن تمتد آثارها إلى المستوى الأوروبي الأوسع.
وأكد عرفي أن مواجهة هذا الأسلوب تتطلب موقفا أوروبيا أكثر حزما، مشيرا إلى أن فرض عقوبات إسبانية ثم أوروبية على المغرب، إلى جانب إعادة النظر في بعض أوجه المبادلات التجارية والطاقوية، يمكن أن يشكل وسيلة لردع الرباط عن توظيف الهجرة كأداة للضغط السياسي.
كما أشار إلى أن ما أوردته مجلة “بروفيل” النمساوية بشأن استخدام المغرب لملف الهجرة للضغط على الدول الأوروبية يكتسب أهمية خاصة، مبرزا أن هذه التقارير تساهم في تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين إدارة الحدود والمواقف السياسية الأوروبية من قضية الصحراء الغربية.
وفي السياق ذاته، أبرز عرفي أن التطورات الأخيرة بين مدريد والرباط قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، خاصة مع تصاعد التوتر بشأن الوضع الحدودي، منوّها بأن أي إجراءات إسبانية أكثر صرامة قد تؤشر على تحوّل في طبيعة التعامل مع المغرب.
وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أكد عرفي أن ملف الهجرة أصبح جزءا من معركة أوسع حول النفوذ والمواقف السياسية، وأن استمرار ربط التعاون الحدودي بالمواقف الأوروبية من الصحراء الغربية من شأنه أن يزيد من تعقيد العلاقات بين الرباط والعواصم الأوروبية، ويدفع نحو إعادة تقييم آليات التعاون القائمة.
الصحفية سهام سعدية سوماتي
المصدر: الأيام نيوز
