القائمة الرئيسية

الصفحات

فيلم «الاحتفال ذهاباً وإياباً» يعيد فتح جدل الاستلاب الثقافي للتراث الصحراوي


تواصل قناة الجزيرة الوثائقية تحريف الحقائق والتورط في مخططات الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية حيث يعود إلى الواجهة فيلم "الاحتفال ذهاباً وإياباً" وسط انتقادات بشأن الطريقة التي جرى بها تقديم جوانب من الثقافة الحسانية والتراث الصحراوي وربطها حصراً بالفضاء المغربي.
الفيلم، الذي أخرجَه المغربي محمد البوحاري، يتناول طقوس الزواج والطلاق ومكانة المرأة في مجتمع «البيضان»، وتصف الجزيرة العمل بأنه يستعرض عادات وتقاليد قبائل بني حسان في المغرب في تجاوز مقصود للشعب الصحراوي . 
كما تشير الورقة التقنية المنشورة عن الفيلم إلى أنه يركز على المكانة الخاصة التي تحظى بها المرأة، ولا سيما المطلقة، داخل المجتمع الصحراوي. 
غير أن إعادة تقديم هذه المكونات الثقافية من زاوية جغرافية وسياسية وفق أجندة الاحتلال المغربي، تفتح سؤالاً أوسع يتجاوز حدود العمل الوثائقي نفسه: هل يتحول توثيق الثقافة الصحراوية إلى أداة لإعادة تعريف أصحابها ونسب تراثهم إلى دولة أخرى؟
ويزداد الجدل حدة مع استمرار الاحتلال المغربي في تقديم الثقافة الحسانية، بما تتضمنه من لغة وعادات وملابس وموسيقى وطقوس اجتماعية، باعتبارها جزءاً من «التراث المغربي»، في وقت يناضل الشعب الصحراوي لحماية هذه المكونات الثقافية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هويته الوطنية والثقافية العابرة للحدود السياسية التي فرضتها التحولات الاستعمارية ومنح أجزاء من الصحراء الغربية للمغرب (إقليم طرفاية للمغرب سنة 1958م)
واللافت أن الجزيرة الوثائقية نفسها تعيد الترويج للفيلم في محتوى حديث، متحدثة عن مكانة المرأة في «المجتمع الحساني» وعن أهمية المرأة المطلقة، التي ينظر إليها شعبياً باعتبار أن تجربتها الأولى في الزواج أكسبتها خبرة أكبر في تدبير شؤون الحياة. 

المطلقة في الثقافة الحسانية.. مكانة اجتماعية لا وصمة
ومن أبرز الجوانب التي يتناولها الفيلم مكانة المرأة المطلقة، فالثقافة الحسانية لا تنظر بالضرورة إلى الطلاق باعتباره عاراً يلحق بالمرأة، بل يمكن أن تحافظ المطلقة على مكانتها الاجتماعية، وتعود إلى محيطها الأسري والاجتماعي من دون أن تُعامل باعتبارها امرأة منبوذة.
ويُفسَّر ذلك، في التصور الشعبي، بأن تجربة الزواج الأولى تمنح المرأة معرفة وخبرة في تدبير شؤون البيت والحياة الاجتماعية، كما أن قدرتها على إدارة المنزل واستقبال الضيوف وتدبير شؤونه تمنحها مكانة معتبرة داخل المجتمع. 
ويشير العرض المنشور عن الفيلم إلى طقوس مرتبطة بالزواج والطلاق، من بينها الاحتفال بالمرأة المطلقة وإبراز قيم تكريمها، إلى جانب الشعر والغناء والرقص والطقوس الاجتماعية المصاحبة لهذه المناسبات. 

«حرب على الذاكرة»؟
فهذه القضية لا تتعلق برفض توثيق التراث أو التعريف بالعادات الحسانية، وإنما بمن يمتلك حق تعريف هذا التراث وتحديد نسبه وهويته ومجاله الجغرافي.
ومن هذا المنظور، فإن أعمال من هذا النوع باعتبارها جزءاً من معركة أوسع حول الذاكرة والهوية، خصوصاً عندما يجري تقديم الثقافة الصحراوية باعتبارها امتداداً حصرياً للهوية المغربية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها تراثاً حسانياً وصحراوياً له امتداداته في الصحراء الغربية وموريتانيا ومناطق أخرى من المجال الصحراوي.
وتطرح هذه الحالة سؤالاً ملحاً أمام المؤسسات والهيئات الثقافية الصحراوية: أين هو الحضور الصحراوي في معركة توثيق التراث؟ ومن يتولى إنتاج الأفلام والدراسات والوثائق التي تقدم الثقافة الصحراوية من منظور أصحابها، لا من منظور منازعيهم عليها؟
فالمعركة على الأرض ليست وحدها معركة حدود وسيادة؛ إنها أيضاً معركة رواية وذاكرة وهوية وتراث وإذا كانت بعض مظاهر الثقافة الصحراوية تُقدَّم اليوم في أعمال وثائقية عربية ودولية بوصفها جزءاً من «الثقافة المغربية»، فإن غياب الإنتاج الثقافي والإعلامي الصحراوي القادر على توثيق هذا التراث وتقديم روايته يترك فراغاً قابلاً لأن تملأه روايات أخرى.
وبالتالي، فإن مواجهة  الاستلاب الثقافي لا تكون فقط بالاحتجاج على الأعمال المنتجة، وإنما أيضاً بإنتاج البديل: توثيق الذاكرة الشفوية، أرشفة العادات والطقوس، تسجيل الروايات الشعبية، حماية الشعر والموسيقى واللباس والمطبخ والتراث المادي واللامادي، وإيصال الرواية الصحراوية إلى المنصات الإعلامية الدولية.
فمن يترك تراثه بلا توثيق، قد يجد نفسه يوماً أمام رواية أخرى تقول للعالم: هذا التراث لنا وهو ما يقوم به الاحتلال المغربي بعدما عجز عن القضاء على الشعب الصحراوي وهويته بات يعمل على تبني الثقافة الصحراوية. 

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...