القائمة الرئيسية

الصفحات

التحالف الدفاعي الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان.. ولادة منظومة جديدة أم إعلان نهاية منظومات قديمة؟

  


لم يكن الإعلان عن اتفاقية دفاع ثلاثية بين تركيا والسعودية وباكستان مجرد اتفاق أمني جديد يضاف إلى قائمة التحالفات الإقليمية، بل يحمل في طياته دلالات سياسية وجيوسياسية أوسع بكثير. فهو يأتي في منطقة تتراجع فيها فعالية الأطر التقليدية للأمن الجماعي، وتتزايد فيها الحاجة إلى ترتيبات جديدة تتجاوز المؤسسات التي عجزت، طوال السنوات الماضية، عن إنتاج منظومة ردع جماعية قادرة على حماية مصالح أعضائها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق الثلاثي باعتباره مؤشراً على أزمة عميقة في منظومات الأمن الإقليمية العربية والإسلامية، أكثر من كونه مجرد ولادة لتحالف عسكري مكتمل الأركان.

جامعة الدول العربية.. أزمة نظام الأمن الجماعي

أبرز ما يكشفه الاتفاق هو عمق أزمة جامعة الدول العربية باعتبارها الإطار التقليدي الذي يفترض أن يوفر مظلة للأمن القومي العربي.

فبعد عقود من الحديث عن التضامن العربي والدفاع المشترك، أصبح الأمن الفعلي للدول العربية يُبحث عنه خارج الإطار العربي، عبر اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مع قوى إقليمية ودولية غير عربية.

وهنا تكمن المفارقة: فالدول العربية التي تمتلك إمكانات مالية وعسكرية كبيرة لم تنجح في بناء منظومة دفاع عربية مستقلة وفعالة، بينما تتجه اليوم إلى الاستعانة بقوى خارج الإطار العربي، مثل تركيا وباكستان، لتأمين احتياجاتها الدفاعية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجامعة العربية انتهت مؤسسياً، لكنها تعكس بوضوح تراجع قدرتها على إنتاج الأمن الجماعي، وتحولها تدريجياً إلى إطار دبلوماسي أكثر منه منظومة دفاعية استراتيجية.

ومجلس التعاون الخليجي.. هل بلغ حدوده القصوى؟

الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على مجلس التعاون الخليجي.

فالمجلس نجح في بناء قدر من التكامل الاقتصادي والسياسي، لكنه لم يتمكن من تحويل التقارب الخليجي إلى منظومة دفاعية موحدة قادرة على التعامل مع الأزمات الكبرى بصورة مستقلة.

وتكشف التجارب السابقة أن دول الخليج، رغم تشابه مصالحها وارتباطاتها الاقتصادية والاجتماعية، لا تتحرك دائماً وفق رؤية أمنية واحدة.

فالأزمة الخليجية السابقة، والحرب في اليمن، والتباين في مقاربة العلاقات مع إيران وتركيا، كلها أظهرت أن الحسابات الوطنية لكل دولة قد تتقدم على مفهوم الأمن الجماعي الخليجي.

وبالتالي، فإن دخول تركيا وباكستان إلى ترتيبات دفاعية مع السعودية يمكن قراءته باعتباره اعترافاً ضمنياً بأن الأطر الخليجية وحدها لم تعد كافية، وأن الأمن الإقليمي أصبح يبحث عن مظلات متعددة ومتداخلة.

السعودية.. تاريخ طويل من التحالفات والنتائج المتباينة

السعودية ليست جديدة على فكرة بناء التحالفات الإقليمية.

ففي عام 2015 أطلقت الرياض التحالف العربي بقيادة السعودية في إطار عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، قبل أن تتغير تركيبة المشاركة ومواقف بعض الأطراف مع مرور الوقت.

وفي العام نفسه أُعلن عن التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي ضم عشرات الدول، لكنه لم يتحول إلى قوة عسكرية مشتركة بالمعنى التقليدي.

وهذه التجارب تطرح سؤالاً أساسياً: هل المشكلة في غياب التحالفات أم في غياب القدرة على تحويل التحالف السياسي إلى منظومة عسكرية قابلة للتفعيل؟

فالتحالف العسكري الحقيقي لا يُقاس بعدد الدول التي توقع بياناته، وإنما بوجود قيادة مشتركة، وقواعد اشتباك واضحة، وآليات لاتخاذ القرار، وتحديد مسبق لطبيعة التهديد، والتزامات عملية تجاه أي دولة تتعرض للهجوم.

ومن دون ذلك، قد تتحول التحالفات إلى أدوات سياسية وإعلامية لرفع مستوى الردع المعنوي، دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على خوض حرب مشتركة.

تركيا وباكستان.. شريكان قويان، لكنهما ليسا بلا حسابات

المشكلة الأساسية التي تواجه الاتفاق الجديد أن تركيا وباكستان ليستا دولتين يمكن اختزالهما في علاقاتهما مع السعودية.

لكل منهما شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل الالتزام بحرب مشتركة أمراً أكثر تعقيداً من مجرد توقيع اتفاقية دفاع.

تركيا، على سبيل المثال، ترتبط بعلاقات ومصالح مع إيران، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي، وتملك علاقات اقتصادية واستراتيجية واسعة مع قوى دولية وإقليمية متعددة.

وباكستان من جهتها تمتلك علاقات معقدة مع إيران، كما ترتبط بعلاقات استراتيجية عميقة مع الصين، وتواجه حسابات أمنية خاصة مرتبطة بالهند وأفغانستان والحدود الغربية.

ومن ثم، فإن السؤال ليس: هل تستطيع تركيا وباكستان مساعدة السعودية؟

بل السؤال الأكثر أهمية هو: في أي حرب يمكنهما مساعدتها؟ وتحت أي شروط؟ وإلى أي مدى؟

إيران.. الاختبار الأصعب

إذا تعرضت السعودية لهجوم مباشر من إيران، فهل يعني الاتفاق أن تركيا وباكستان ستدخلان الحرب إلى جانب الرياض؟

هنا تظهر أولى الثغرات المحتملة.

فتركيا وباكستان ترتبطان بعلاقات جغرافية واقتصادية وسياسية مع إيران، ولا تبدو أي منهما راغبة في الانجرار بسهولة إلى مواجهة شاملة معها.

وبالتالي، فإن مجرد وجود اتفاق دفاعي لا يعني تلقائياً أن كل طرف سيشارك عسكرياً في كل مواجهة.

وهذا أمر طبيعي في التحالفات الدولية؛ إذ إن الاتفاقيات الدفاعية الجادة تحدد مسبقاً طبيعة الحالات التي تستوجب التدخل، ونوع التدخل، وحدوده، وآليات اتخاذ القرار.

الهند.. اختبار آخر لحدود الالتزام

الأمر نفسه ينطبق على الهند.

باكستان تعتبر الهند خصمها الاستراتيجي الأساسي، لكن تركيا والسعودية لديهما علاقات اقتصادية وسياسية مهمة مع نيودلهي.

فإذا اندلع صراع كبير بين الهند وباكستان، هل ستدخل السعودية وتركيا الحرب إلى جانب إسلام آباد؟

من الصعب افتراض ذلك بصورة تلقائية.

وهنا تتضح حقيقة مهمة: التحالفات الحديثة لا تقوم فقط على من هو صديق ومن هو خصم، وإنما على حسابات المصالح المتشابكة.

قد تتفق ثلاث دول على التعاون الدفاعي، لكنها تختلف جذرياً في تعريف «الخطر المشترك».

اليمن.. مصالح مختلفة تحت مظلة واحدة

اليمن يقدم نموذجاً آخر للتباين المحتمل.

تركيا وباكستان لديهما مصلحة معلنة في استقرار المنطقة، بينما تملك السعودية حسابات أمنية مباشرة تجاه اليمن بحكم الجغرافيا والحدود والتجربة العسكرية الطويلة.

لكن مفهوم «اليمن المستقر» قد لا يكون متطابقاً بالضرورة بين الأطراف الثلاثة.

فما تراه أنقرة أو إسلام آباد دولة يمنية موحدة ومستقلة، قد لا يتطابق دائماً مع التصورات الأمنية السعودية بشأن شكل الدولة اليمنية وعلاقتها بمحيطها الإقليمي.

وهذه الاختلافات لا تمنع التعاون، لكنها تجعل الانتقال من التعاون الدفاعي إلى الحرب المشتركة أكثر صعوبة.

العقبة التركية.. الناتو والمصالح الغربية

أما تركيا، فتواجه عاملاً إضافياً شديد الأهمية: عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

هذه العضوية لا تعني أن تركيا عاجزة عن اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة، لكنها تجعل حسابات الأمن التركي مرتبطة أيضاً بشبكة واسعة من الالتزامات والعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والحلف الأطلسي.

ولهذا فإن دخول تركيا حرباً إقليمية واسعة يجب أن يمر عبر حسابات دقيقة تتعلق بمصالحها الوطنية، وعلاقاتها الدولية، ومخاطر توسع النزاع.

وبعبارة أخرى، فإن أنقرة يمكن أن تكون شريكاً دفاعياً مهماً، لكنها لن تكون بالضرورة شريكاً تلقائياً في كل حرب تخوضها الرياض.

العقيدة الدينية لا تكفي لبناء تحالف عسكري

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة التحالفات الإقليمية افتراض أن القرب الديني أو الثقافي يكفي لبناء تحالف استراتيجي دائم.

التجربة أثبتت أن الدول تتحرك في النهاية وفق مصالحها الوطنية.

السعودية وتركيا وباكستان قد تتشارك في الهوية الإسلامية، لكنها تختلف في الجغرافيا، والتهديدات، والتحالفات الدولية، والمصالح الاقتصادية، والتصورات تجاه القوى الإقليمية.

ولهذا فإن أي منظومة دفاع مشتركة لا يمكن أن تقوم على الهوية وحدها.

الهوية قد تكون عاملاً مساعداً، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العقيدة العسكرية المشتركة، والقيادة الموحدة، وقواعد الاشتباك، والقدرات اللوجستية، والالتزامات القانونية والسياسية الواضحة.

ما الذي ينقص الاتفاق؟

أي اتفاق دفاعي حقيقي يحتاج إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الصعبة:

- ما تعريف «العدوان» الذي يستوجب التدخل؟
- هل التدخل تلقائي أم يخضع لقرار سياسي؟
- هل يشمل الهجوم الإلكتروني والهجمات على المنشآت النفطية؟
- ماذا يحدث إذا تعرضت دولة عضو لهجوم من دولة تربطها بعلاقات اقتصادية مع عضو آخر؟
- هل الالتزام دفاعي فقط أم يمكن أن يتحول إلى عمليات هجومية؟
- من يقود القوات المشتركة؟
- أين توجد مراكز القيادة؟
- ما حجم القوات التي يلتزم بها كل طرف؟
- ما قواعد استخدام القوة؟
- ماذا يحدث إذا رفض أحد الأعضاء المشاركة في حرب يعتبرها ضد مصالحه؟
- وكيف تُدار العلاقة بين هذه المنظومة والالتزامات الدولية القائمة لكل دولة؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد قيمة الاتفاق، وليس عدد الدول الموقعة عليه أو حجم الضجة الإعلامية المصاحبة لإعلانه.

بين التحالف الحقيقي والتحالف السياسي

لهذا فإن الحكم المبكر على الاتفاق باعتباره «حلفاً عسكرياً جديداً» قد يكون متسرعاً.

الأقرب أنه يمثل إطاراً استراتيجياً جديداً للتعاون الدفاعي والسياسي، يمكن أن يتطور لاحقاً إلى منظومة أكثر صلابة إذا نجحت الدول الثلاث في بناء مؤسسات وآليات تنفيذية واضحة.

لكن إذا بقي الاتفاق في مستوى البيانات السياسية، والمناورات الرمزية، والتعاون العسكري المحدود، فإنه لن يختلف كثيراً عن تجارب إقليمية سابقة قامت على إعلان التحالف دون امتلاك آليات حقيقية لتفعيله.

والتاريخ الحديث للمنطقة مليء بمثل هذه التجارب.

المال وحده لا يصنع تحالفاً

قد تكون المصالح الاقتصادية والصفقات العسكرية أحد المحركات المهمة للاتفاق.

السعودية تمتلك القدرة المالية، وتركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية صاعدة، وباكستان تمتلك خبرة عسكرية كبيرة وقوة بشرية وعقيدة قتالية متراكمة.

وهنا يبدو التقاطع واضحاً: السعودية تحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة والقدرات الدفاعية، وتركيا تبحث عن أسواق وشراكات استراتيجية، وباكستان تسعى إلى توسيع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية.

لكن التكامل الاقتصادي والعسكري لا يساوي بالضرورة تحالفاً حربياً.

فالانتقال من شراء السلاح والتدريب والمناورات المشتركة إلى الالتزام بالدخول في حرب من أجل حليف آخر هو قفزة استراتيجية هائلة.

الخلاصة: بداية نظام جديد أم إعادة تدوير للتحالفات؟

الاتفاق الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان يعكس قبل كل شيء حقيقة جيوسياسية جديدة: منظومة الأمن الإقليمي القديمة لم تعد قادرة وحدها على الاستجابة للتحولات المتسارعة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

لكن ذلك لا يعني أن الاتفاق الجديد سيصبح تلقائياً «ناتو إسلامياً» أو قوة دفاع مشتركة قادرة على خوض حرب واحدة.

نجاحه سيتوقف على قدرته على الانتقال من الرمزية السياسية إلى البنية المؤسسية، ومن البيانات إلى الخطط، ومن المصالح المشتركة إلى عقيدة دفاعية واضحة.
أما إذا بقيت القاعدة هي: «نحن متفقون عندما لا توجد حرب»، فإن أول اختبار عسكري حقيقي قد يكشف حجم الفجوة بين التحالف على الورق والتحالف في الميدان.
وفي النهاية، ربما تكون أهم دلالة للاتفاق ليست أنه يؤسس بالضرورة لمنظومة أمن إسلامية جديدة، وإنما أنه يكشف عن فراغ استراتيجي متزايد في العالم العربي والإسلامي؛ فراغ تبحث الدول عن ملئه بتحالفات متعددة، تتقاطع فيها الجغرافيا والاقتصاد والسلاح والسياسة، لكن يصعب فيها جمع المصالح المختلفة تحت مظلة عسكرية واحدة.

وهنا يبقى السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام ولادة تحالف دفاعي ثلاثي قادر على تغيير موازين القوى، أم أمام صيغة سياسية جديدة لإدارة الفراغ الذي تركه فشل منظومات الأمن الجماعي القديمة؟

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...