في أفق انعقاد المؤتمر الشعبي العام للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وفي ظل ظرف إقليمي ودولي بالغ الخطورة، جاء قرار تأسيس "لجان بديلة" على مستوى الأمانة العامة للتحضير وقياس الرأي وجس النبض، عوض "لجنة التفكير" التقليدية.
واللافت أن هذه اللجان ليست هياكل تقنية، بل هي من صميم القيادة وعضوية قيادات الأمانة العامة.
هذه الورقة تهدف إلى تحليل هذه الخطوة نقديا واستشرافيا.
أولا: قراءة بنيوية في طبيعة "اللجان البديلة"
تحويل ملف التحضير من "لجنة تفكير" إلى "لجان أمانة" له 3 أبعاد:
1. بعد إداري - أمني:
في ظروف الحرب والحصار، القيادة ترى أن فتح النقاش على مصراعيه قد ينتج عنه فوضى أو تسريبات تخدم العدو. فوضع اللجان في يد الأمانة هو لضمان "الانضباط" و "وحدة الرسالة".
2. *بعد سياسي*:
هذا اعتراف ضمني بأن القضايا المطروحة لم تعد "فكرية" فقط، بل هي قضايا "قرار". ملفات الحرب، الدبلوماسية، والشرعية لا تحتمل التأجيل. وبالتالي يجب أن يديرها من يملك القرار.
3. *بعد تنظيمي*:
هو عدم اشراك النخب الوطنية الفاعلة والمهاجرة .مع سحب لصلاحيات المنظمات الجماهيرية والهيئات الوسيطة من عملية التحضير. الرسالة: "نحن القيادة نتحمل المسؤولية كاملة".
*ثانيا: الإيجابيات المحتملة لهذا النموذج*
لا يمكن إنكار أن لهذا التوجه مبرراته الموضوعية:
1. *السرعة والنجاعة*: لجان من القيادة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة ورفعها مباشرة دون بيروقراطية.
2. *ضبط البوصلة*: في لحظة مفصلية، وجود قيادات في اللجان يضمن أن لا يحيد النقاش عن الثوابت الوطنية.
3. *تحمل المسؤولية*: القيادة لا ترمي الكرة لهيئة أخرى. هي تقول "نحن من نحضر ونحن من نحاسب".
*ثالثا: المخاطر والنقد الجوهري*
هنا مكمن الخطر. نفس الميزة يمكن أن تتحول لنقمة:
1. *مخاطر "تضارب المصالح"*:
كيف يمكن لعضو الأمانة أن "يجس نبض" القاعدة وهو في نفس الوقت طرف في القرار الذي سيُقاس حوله الرأي؟
النتيجة الطبيعية: سنسمع ما نريد أن نسمعه، لا ما يجب أن نسمعه.
2. *خطر "إعادة إنتاج الذات"*:
لجان من القيادة، بأفكار القيادة، لخدمة مؤتمر تسيطر عليه القيادة. هذا يغلق دائرة التجديد. ولن نعالج أسباب العزوف والاحتقان لأننا لن نسمعها أصلا.
3. *تفريغ المؤتمر من وظيفته الرقابية*:
المؤتمر وظيفته التاريخية هي "مساءلة القيادة". إذا كانت القيادة هي من تعد التقرير، وتعد الأرضية، وتعد التوصيات، فما الذي سيبقى للمناضبين لمناقشته؟ يتحول المؤتمر إلى "مصادقة" لا "محاسبة".
*رابعا: استشراف لمآلات المؤتمر في ظل هذا النموذج*
بناء على ما سبق، هناك 3 مسارات:
1. *المسار المرجح - "مؤتمر التعبئة"*:
مؤتمر منضبط، خطاب موحد، تجديد ثقة للقيادة. ناجح إعلاميا وعسكريا على المدى القصير، لكنه يؤجل القنبلة الموقوتة الداخلية.
2. *المسار الأخطر - "مؤتمر الاحتقان المؤجل"*:
تخرج توصيات لا تعالج جوهر أزمة الثقة. وبعد 6 أشهر يعود نفس السؤال: لماذا لا يترشح الشباب؟ لماذا تضعف التعبئة؟
3. *المسار المطلوب - "مؤتمر المراجعة المضبوطة"*:
أن تنجح اللجان في لعب دور "القيادة الناقدة لنفسها". أي أن تقدم تقريرا يقول: "هذه أخطاؤنا وهذه مقترحاتنا للتجاوز".
*خامسا: توصيات لإنقاذ وظيفة "اللجان البديلة"*
لكي لا تتحول من أداة تحضير إلى أداة إغلاق، نقترح:
1. *فصل الأدوار داخل اللجنة الواحدة*:
حتى لو كان رئيس اللجنة من الأمانة، يجب أن يكون 50% من أعضائها من خارج الأمانة: أطر، مناضلين، ممثلين منظمات، شباب. ودورهم "نقدي" بالتعاقد.
2. *إلزامية "تقرير الظل"*:
ترفع كل لجنة تقريرين: تقرير رسمي للأمانة، وتقرير "نقدي" ينشر كاملا أمام المؤتمر.
3. *مناطق محرمة ممنوع الاقتراب منها*:
يجب أن يكون للجان تفويض صريح بمناقشة 3 ملفات: أداء الأمانة، وضع المنظمات، وملف الشباب. بدون تابوهات.
4. *آلية رد فعل*:
أي توصية ترفعها اللجان ولا تناقش في المؤتمر، يجب أن يصدر بشأنها بيان توضيحي. حتى لا يشعر الناس أن تعبهم راح هباء.
الخلاصة
وضع التحضير في يد القيادة ليس جريمة. في الحروب الكبرى كل الثورات مركزت القرار.
لكن الجريمة هي أن نستخدم "المركزية" كذريعة لإسكات النقد.
التحدي الحقي للجان البديلة ليس في "جمع الآراء"، بل في "شجاعة نقل الرأي السيء للقيادة".
إذا نجحت اللجان في أن تكون "مرآة صادقة" حتى لو كانت قاسية، فالمؤتمر القادم سيكون نقطة قوة.
وإذا كانت مجرد "صدى" لما تريد القيادة سماعه، فسنخرج من المؤتمر بنفس مشاكلنا، ولكن ببيان ختامي أطول.
القضية الوطنية لا تحتاج مؤتمرا "ناجحا شكليا". تحتاج مؤتمرا "موجعا وصادقا".
---
بقلم : محافظ سياسي
