القائمة الرئيسية

الصفحات

«ليلة قطف الأزهار»: الكتابة بوصفها استعادة للصوت والذاكرة



من منظور إعلامي واتصالي، لا يمكن قراءة كتاب «ليلة قطف الأزهار» باعتباره مجرد شهادة شخصية لمعتقل سياسي صحراوي على تجربة السجن، بل باعتباره وثيقة اتصالية وذاكرية تسعى إلى استعادة صوت حُرم من التعبير داخل فضاء الاعتقال.
تكمن أهمية الكتاب في أنه ينقل تجربة المعتقل من دائرة الذاكرة الفردية إلى المجال العام. فالكاتب لا يروي معاناته بهدف استعادة الماضي فقط، وإنما يحول تجربته إلى رسالة موجهة إلى قارئ لم يعش تلك التجربة، وبذلك تصبح الشهادة وسيلة لكسر الصمت وملء الفراغ المعلوماتي الذي يرافق الاعتقال السري.
وتبرز عبارة «حتى لا ننسى» باعتبارها مفتاحاً لفهم الوظيفة الإعلامية للكتاب؛ فالذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع للماضي، وإنما مقاومة للنسيان وإعادة إنتاج للتجربة في شكل قابل للتداول بين الأجيال. ومن ثم تنتقل الشهادة من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية.
كما أن وصف المعتقلات السرية، وما ارتبط بها من جوع وتعذيب وإهمال طبي وإذلال، يؤدي وظيفة اتصالية تتجاوز نقل المعلومة إلى بناء صورة ذهنية ووجدانية لدى القارئ. فالجسد المعذب يصبح، في النص، وسيلة للتواصل مع الخارج، حين تعجز اللغة أحياناً عن نقل حجم التجربة.
ومن الناحية الخطابية، ينتقل الكاتب من «أنا» المعتقل إلى «نحن» الجماعة، فتحضر التجربة الفردية بوصفها جزءاً من تجربة جماعية أوسع. وهنا يتحول الكتاب من سيرة شخصية إلى شهادة جماعية، ومن التوثيق إلى بناء سردية مضادة للروايات التي قد تتجاهل تجربة الضحايا أو تعيد تأويلها.
واللافت أن الكاتب نفسه يعترف في خاتمة مداخلته بعجز اللغة عن الإحاطة بكل ما عاشه، حين يقول إن الكتاب بين أيدي القراء «ليشفع» له فيما لم يستطع التعبير عنه. وهذه العبارة تكشف الوظيفة الأعمق للكتاب: حين يعجز الشاهد عن الكلام، يصبح النص شاهداً عنه.
وعليه، يمكن النظر إلى «ليلة قطف الأزهار» إعلامياً باعتباره نموذجاً لما يمكن تسميته «الإعلام الشهاداتي»؛ أي تحويل التجربة الشخصية إلى رسالة عامة، وتحويل الذاكرة إلى وثيقة، والوثيقة إلى وسيلة لمساءلة الرواية السائدة.
إن قوة الكتاب، في النهاية، لا تكمن فقط في حجم الألم الذي يوثقه، وإنما في قدرته على نقل ذلك الألم من جدران المعتقل إلى فضاء القراءة والنقاش العام؛ أي تحويل الصمت القسري إلى صوت، والتجربة الفردية إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شهادة.
إنني أحي الدكتور محمد عالي الحيسن على نجاحه في تحويل تجربة السجن إلى وثيقة اتصالية وذاكرتية  كما أحي بالمناسبة الدكتور عبد الرحمان خواجة وكذلك مجموعة26   على اصداراتهم المتعلقة بنفس الموضوع والتي لا تستحق القراءة فحسب بل الدارسة والبحث.
بقلم: محمد فاضل الهيط

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...