ليست السياسة الدولية خريطة ثابتة، لا تتغير حيث تأتي الحكومات وتذهب، والرؤساء يتعاقبون، والتحالفات تتبدل، والمصالح تعيد رسم مواقع الدول كلما تغيرت الظروف. لكن وسط هذا المشهد المتحرك، تبقى القضايا العادلة ثابتة لا تتغير، لأنها لا تستمد وجودها من موقف حكومة، وإنما من إرادة شعب وعدالة قضية والقضية الصحراوية واحدة من هذه القضايا.
لذلك، ربما يكون من المفيد للصحراويين أن ينظروا إلى ما يحدث في كولومبيا لا بعين القلق، ولا بعين الاحتفال المفرط، وإنما بعين القراءة السياسية الهادئة.
ففي 27 فبراير 1985، اعترفت كولومبيا بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وبعد سنوات، جُمّدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين خلال 2000/2001، واستمر الجمود لسنوات.
ثم جاء الرئيس اليميني إيفان دوكي إلى السلطة بين 2018 و2022، فاقتربت حكومته من الموقف المغربي بصورة أوضح، خصوصًا بعد زيارة نائبته ووزيرة خارجيته مارتا لوسيا راميرز إلى الرباط ولقائها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة سنة 2021.
كان ذلك تحولًا سياسيًا واضحًا، لكنه لم يكن نهاية القصة.
ففي سنة 2022، وصل اليساري غوستافو بيترو إلى الرئاسة، فتغير الاتجاه مرة أخرى، وعادت العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، استنادًا إلى الاعتراف الكولومبي التاريخي بها منذ سنة 1985 وتم اعتماد سفير للجمهورية الصحراوية من جديد في كولومبيا التي عبرت حينها عن موقفها التاريخي الداعم لحق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال.
وهكذا، خلال عقود قليلة، تحرك الموقف الكولومبي أكثر من مرة بين اعتراف و جمود وتقارب مع الاحتلال المغربي ثم عودة إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية الصحراوية .
واليوم، مع التحولات السياسية الجديدة في كولومبيا، يعود النقاش من جديد حول اتجاه السياسة الخارجية.
قد يبدو هذا للوهلة الأولى تناقضًا.
لكنه في الحقيقة يشرح شيئًا أساسيًا في العلاقات الدولية: الدول لا تتصرف دائمًا وفق ذاكرة التاريخ وحدها، وإنما وفق حسابات اللحظة ومصالح الدولة وتوجهات الحكومات.
وهنا يجب ألا نخلط بين أمرين مختلفين تمامًا: تغير الموقف السياسي، وتغير حقيقة القضية.
فالأول ممكن، أما الثاني فلا يحدث بقرار حكومة.
القضية الصحراوية لم تولد في بوغوتا، ولم تتوقف في السنوات التي جُمدت فيها العلاقات، ولم تستعد وجودها عندما أعاد بيترو العلاقات.
كانت موجودة قبل ذلك كله، وستظل موجودة بعد رحيل جميع أولئك الرؤساء لأنها نبض شعب له تاريخه وحاضره ومستقبله.
وهذا هو الدرس الذي يجب أن نستوعبه.
لا ينبغي أن تكون معنويات شعب مرتبطة بنتائج الانتخابات في عاصمة أجنبية.
نعم، الاعترافات الدولية مهمة.
ونعم، العلاقات الدبلوماسية مكاسب سياسية ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها.
ونعم، تغير موقف دولة ما يمكن أن يمثل خسارة دبلوماسية ينبغي التعامل معها بجدية.
لكن تحويل هذه التغيرات إلى أحكام نهائية على مستقبل القضية هو قراءة قصيرة النفس للتاريخ.
فالدبلوماسية ليست طريقًا مستقيمًا.
إنها تقدم وتراجع، اقتراب وابتعاد، تفاوض وضغط، مصالح متقاطعة، وحسابات تتغير بتغير الظروف.
والدول لا تتعامل مع العالم بعاطفة دائمة، وإنما بمنطق المصالح.
وهذا لا يعني أن العدالة لا قيمة لها، بل يعني أن الدفاع عن العدالة يحتاج إلى سياسة تعرف كيف تتعامل مع عالم المصالح.
ومن هنا، فإن القضية الصحراوية بحاجة إلى دبلوماسية لا تنتظر فقط من العالم أن يتعاطف، وإنما تعمل على إقناع العالم بأن احترام حق الشعب الصحراوي هو أيضًا انسجام مع القانون الدولي ومبادئ تصفية الاستعمار.
بحاجة إلى خطاب لا يكتفي بتكرار المواقف، بل يخاطب الأجيال الجديدة في العالم بلغة القانون والحقوق والعدالة.
وبحاجة إلى علاقات لا ترتبط بالأشخاص فقط، وإنما تُبنى على أساس مؤسساتي يجعلها أكثر قدرة على الاستمرار مهما تغيرت الحكومات.
وهذا هو معنى العمل الدبلوماسي الحقيقي.
فإذا تغيرت حكومة في كولومبيا، لا ينبغي أن تتغير بوصلتنا.
وإذا اقتربت حكومة من المغرب، لا يعني ذلك أن القضية خسرت.
وإذا عادت حكومة أخرى إلى دعم الجمهورية الصحراوية، فلا يعني ذلك أن المعركة انتهت.
إنها محطات في طريق طويل لكفاح شعب لايزال يخوض حربه التحررية.
والقضايا الكبرى لا تقاس بمحطة واحدة، وإنما باتجاه الرحلة كلها.
وإذا نظرنا إلى القضية الصحراوية من هذه الزاوية، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا.
فعلى امتداد عقود، بقيت القضية حاضرة في المحافل الدولية، وبقيت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية حاضرة في علاقاتها الخارجية، واستمر النقاش الدولي حول وضع الصحراء الغربية ومستقبلها.
قد تتغير مواقف بعض الدول، وقد تتقدم دول أخرى إلى الواجهة، وقد تتبدل الأولويات الدولية.
فالمعركة السياسية لا تتعلق فقط بمن يقف معك اليوم، وإنما أيضًا بقدرتك على البقاء عندما لا يكون الجميع معك.
ومن يملك النفس الطويل يستطيع أن يحول التراجع إلى مراجعة، والمكسب إلى تراكم، والعلاقة العابرة إلى شراكة، والاعتراف السياسي إلى حضور مؤسساتي.
لهذا، لا ينبغي أن نقرأ تجربة كولومبيا باعتبارها قصة خسارة أو انتصار مغربي أو صحراوي في كل محطة.
الأهم أنها تكشف لنا أن المواقف الحكومية ليست حقائق أبدية.
فالرئيس الذي يقترب من الرباط اليوم قد يخلفه رئيس يرى الأمور من زاوية أخرى.
والحكومة التي تتراجع اليوم قد تأتي بعدها حكومة تعيد النظر في القرار.
والدولة التي كانت بعيدة قد تصبح قريبة.
والدولة التي كانت قريبة قد تبتعد.
هذه هي طبيعة السياسة.
أما ما ينبغي ألا يتغير فهو البوصلة الوطنية.
وهنا تقع مسؤولية الصحراويين أنفسهم.
فالقضية لا تحتاج إلى مزيد من الانفعال، بل إلى مزيد من الوعي.
لا تحتاج إلى الاحتفال بكل خبر، بل إلى قراءة كل خبر في سياقه.
لا تحتاج إلى الانهيار أمام كل تراجع، بل إلى معرفة أسبابه وكيفية التعامل معه.
لا تحتاج إلى انتظار «منقذ» في عاصمة أجنبية، بل إلى بناء قوة سياسية ودبلوماسية تجعل حضور القضية مستمرًا مهما تغيرت الحكومات.
نحن لا نملك أن نقرر من يحكم كولومبيا أو غيرها، لكننا نملك أن نقرر كيف نتعامل مع مواقفها.
وهذا فارق كبير.
نرحب بالداعم ونحافظ على الصديق وعمل على توسيع دائرة العلاقات ونواجه الخصم بالحجة والقانون ونبقى مستعدين دائمًا لاحتمال تغير المشهد.
لأن الدولة التي تبني سياستها على شخص، تخسر عندما يرحل الشخص.
أما الدولة التي تبني سياستها على المؤسسات والمصالح والعلاقات المتوازنة، فتستطيع أن تعبر تغير الحكومات بأقل الخسائر.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نستخلصه من كولومبيا.
لا تجعلوا فرحتكم رهينة باعتراف دولة، ولا تجعلوا إحباطكم رهينة بتراجع دولة.
الاعتراف مكسب، لكنه ليس نهاية الطريق.
والتراجع خسارة، لكنه ليس نهاية القضية.
القضية الصحراوية أكبر من حكومة كولومبية، وأكبر من حكومة مغربية، وأكبر من أي حكومة أخرى.
إنها قضية شعب، وقضية حق، وقضية مسار من النضال والكفاح نحو الحرية.
وقد يكون الطريق طويلًا، وقد تكون فيه منعطفات صعبة، وقد تتغير فيه مواقف دول كثيرة لكن المهم أن تبقى البوصلة ثابتة.
لهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على أن تكون كل حكومات العالم معنا في كل لحظة.
الرهان الحقيقي هو أن نواصل العمل حتى تصبح القضية أكثر حضورًا، والحجة أكثر قوة، والدبلوماسية أكثر تأثيرًا، والوحدة أكثر رسوخًا.
وعندها فقط، يصبح تغير موقف حكومة هنا أو هناك مجرد تفصيل في مسار أكبر.
مسار قضية تشق طريقها، ببطء ربما، وبكثير من الصبر، لكنها لا تتوقف.
فالتاريخ تصنعه الشعوب التي تعرف ماذا تريد، وتملك من الصبر ما يكفي للوصول الى الهدف المنشود في الحرية والاستقلال واستكمال السيادة الوطنية.
