القائمة الرئيسية

الصفحات

من بطولات جيش التحريرالشعبي الصحراوي : شهادة القائد الميداني أبا عالي حمودي


عرف الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز بقوة الإقدام والشجاعة، حيث كان لا يهاب العدو مهما كانت عُدّته وعتاده. وفي بعض الأحيان التي يكون فيها التقدير بأن المعركة ليست في صالح الجيش الصحراوي، نتيجة تعداد القوات الغازية أو عدم جاهزية القوات الصحراوية لمهاجمة العدو، كان يبادر إلى التقدم لخوض المعارك، حتى إن بعض الرفاق كانوا يمنعونه بالقوة من النفاذ إلى المواجهة.
وفي إحدى المواقف التي يرويها القائد الشهيد ابا عالي حمودي في التصدي لهجوم مغربي مباغت، تسبب في حرق السيارة التي كانت تقلهم، وقف مشهراً سلاحه في جهة العدو، ويده على الزناد، وقد انتصب شعر رأسه كالأسد، وهو يقول لرفاقه: "حَلّوا موتكم" وخاض المعركة ببسالة، رغم الجيش العرمرم الذي كثّف نيرانه للقضاء عليهم.
ويقول أبا عالي حمودي: "رأيت المقاتلين الشجعان، وشاهدت معارك طاحنة، لكنني لم أرَ في حياتي مثل شجاعة محمد عبد العزيز، الذي كان يقتحم العدو بلا هوادة، وكان في كل معركة يحقق الانتصار، لقد كان فأل بركة، وكنا نستبشر به خيراً في المعارك التي نخوضها معه، لأنها كانت تُكلّل بالنجاح دائماً".
وفي إحدى العمليات التي وقعت بقطاعه في الشمال سنة 1979، جُرح سائقه واحترقت سيارته، فاستغل سيارة أخرى للذهاب إلى الناحية العسكرية الرابعة، ومنها إلى "گرارت فَرَلي"، التي كانت محطة استقبال المنطلقين في منطقة تيرس بجنوب الصحراء الغربية، وكانت تتمركز بها الانطلاقات هربا من حرب الابادة التي كان يقودها جيش الاحتلال المغربي ضد الشعب الصحراوي.
وكان برفقة الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز ستة مقاتلين يستغلون سيارتين للدفع الرباعي. وفي طريق العودة من هذه الرحلة، باتوا ليلتهم في الطريق، وهبّت عليهم زوابع رملية. وفي الصباح، وعلى صينية الشاي، قال لهم محمد عبد العزيز إنه رأى في المنام أن الجيش المغربي يطاردهم من أجل القبض عليهم، ففسّر له الشهيد بنة أباهة الرؤيا بأنها انتصار سيحققونه.
ومن شدة الرياح التي هبّت ولبّدت الأجواء، أخذ بهم بنة أباهة، الذي كان مرشد المجموعة لخبرته في مسالك الصحراء، طريقاً معاكسة بين العرقوب وبئر نزران، حتى وقعوا في حامية للجيش المغربي متمركزة ببئر نزران.
سأل محمد عبد العزيز أبا عالي حمودي عن هذه المنطقة، فقال له: «أظنها أفديرك». وسأل شهيداً كان معهم يُقال له عمار، فقال له: «ربما منطقة تواجيد». ولما سأل بنة، رد عليه: «هذه منطقة بئر نزران، التي تتمركز بها حامية الجيش المغربي، وخلفنا گرارت إيگني، ودفاع القوات المغربية تركناه خلفنا بسبعة كيلومترات، والحامية أمامكم. لقد وقعنا في ورطة، ولنودّع أرواحنا».
في هذه الأثناء، سمع أبا عالي بجهاز التنصت كلمة "ديجيب... ديجيب"، فأخبر محمد عبد العزيز بذلك، فرد عليه: "لقد داهمتكم قوات العدو" قاموا بانسحاب سريع، فتعرّضت السيارة الثانية للقصف، الذي أدى إلى احتراقها وبعد التفاتهم، إذا برفيقهم بنة يشير بيده لإنقاذه وإنقاذ محمد عبد العزيز، عادت السيارة الأولى إليهما، وبعد محاولة نقلهما إلى السيارة، وجدوا محمد عبد العزيز متحزماً ويقول: "حَلّوا موتكم".
وبعد تحرك السيارة، سقط بنة أباهة منها، فأشار محمد عبد العزيز إلى أبا عالي حمودي، الذي كان يقود السيارة، بالتوقف لإنقاذه. وبعد التوقف، ضرب الاحتلال إحدى العجلات وخزان البنزين، ووصلت الأضرار إلى المحرك، فتوقفت السيارة.
وفيما تفرّغ أبا عالي وولد بنجارة لإصلاح السيارة، خاض محمد عبد العزيز ورفاقه معركة مع العدو، وأصيب بجرح في الذراع، لكنه لم يثنه ذلك عن مواصلة المعركة حتى النهاية.
وفي معركة غير متكافئة من حيث العدد والعتاد، استعمل محمد عبد العزيز ورفاقه القنابل اليدوية التي تترك دخاناً لإيهام العدو بأنها قاذفات صواريخ "البازوكا"، ما زرع الرعب في القوة المغربية التي تراجعت عن المطاردة.
وقد أوقعت المعركة في صفوف العدو خسائر تمثلت في مقتل ثمانية جنود وجرح 17 آخرين، وذلك مسجل في اعترافات أسرى الحرب المغاربة في عملية بئر نزران التاريخية، التي وقعت في أغسطس 1979، وأسر فيها الجيش الصحراوي 171 جندياً مغربياً.
وبعد انتهاء المعركة، وفي طريقهم إلى منطقة ميجك، وجدوا إبراهيم ولد الجماني يسوق قطيعاً من الإبل، منطلقاً للالتحاق بالثورة، فأسعفهم ونحر لهم منها جملا، ثم أكملوا سيرهم بعد أخذ قسط من الراحة.
هذه الملاحم البطولية لجيش التحرير لا يمكن أن تسعها الكتب ولا المؤلفات الكبيرة، لبسالة المقاتل الصحراوي وشجاعته، وذلك بشهادة أقوى قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، التي أكدت في وثيقة سرية أن "القدرة القتالية والثقة في النفس لدى المقاتل الصحراوي أهلته لخوض حرب عصابات شرسة وقوية كبدت القوات المغربية خسائر كبيرة".
وتضيف الوثيقة أن قوة التحمل ومعرفة التضاريس، فضلاً عن الثقة في النفس، حققت نتائج يمكن أن تحسم المعركة لصالح الجيش الصحراوي في حالة استمرار الحرب وأكدت الوثيقة أن الشعب الصحراوي معروف في المنطقة بشجاعته وقدراته القتالية التي واجه بها القوى الاستعمارية، كفرنسا وإسبانيا.
وكشفت الوثيقة أن النظام المغربي أبدى مخاوفه للأمريكيين حول تنامي الفكر الثوري في الصحراء الغربية، والتفاف الصحراويين حول جبهة البوليساريو، وانخراطهم في الجيش الذي يخوض حرب استنزاف حقيقية ضد الجيش المغربي.
وزادت الولايات المتحدة الأمريكية مساعداتها العسكرية للمغرب بداية من عام 1978، عندما أضحت القوات المسلحة الملكية مهددة بشكل خاص من قبل المقاتلين الصحراويين، في حين وفرت دول الخليج التمويل السخي، كما ساعدت فرنسا في مجال التدريب والاستخبارات، مستفيدة من تجاربها السابقة في الصحراء الغربية.
وبالإضافة إلى ذلك، زوّدت كل من مصر وإيران في عهد الشاه وليبيا والعراق وجنوب إفريقيا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا والبرازيل المغرب بالأسلحة أثناء الحرب في الصحراء الغربية.
وبين عامي 1976 و1984، أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية ملايين الدولارات على المغرب في شكل عتاد وتدريبات ومعلومات استخباراتية ومستشارين، وما معدله مليون دولار سنوياً على تدريب الضباط المغاربة، بمن فيهم الطيارون والمتخصصون في حرب الصحراء، وتلقى العديد من الجنود المغاربة تدريبات في القواعد الأمريكية بالمغرب.
وبالفعل، فقد أعطت الولايات المتحدة الأمريكية للمغرب مساعدات اقتصادية وعسكرية أكثر من أي بلد إفريقي آخر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باستثناء مصر.
ومع ذلك، نجحت التجربة العسكرية الصحراوية في كسر هذا التحالف العالمي، وأسر أكثر من اربعة آلاف جندي مغربي، وقتل الآلاف من الغزاة، وغنم المعدات والأسلحة المختلفة، وتدمير حصون ودفاعات العدو، واختراق الجدار المغربي، وإسقاط العديد من الطائرات الحربية المغربية، وإلحاق الهزيمة بالجيوش الجرارة التي كانت تحمل، زوراً وبهتاناً، بعض أسماء الغزوات الإسلامية.
كما نجحت التجربة الصحراوية في خوض المعركة بسيارات لاندروفير "إدريميزة" ضد الدبابات والآليات المدرعة والمدججة بالأسلحة الفتاكة، في مواجهة جيش مسلح بمختلف الآلات المتطورة من طائرات حربية ورادارات، ومدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسرائيل ودول الخليج العربي.
وقد أبدع الجيش الصحراوي في تطوير أساليب ووسائل الحرب، من خلال تركيب رشاشات ثقيلة ومتوسطة ومدافع عديمة الارتداد على متن سيارات "لاندروفر" و"تويوتا"، وهي التجربة التي بدأت تستلهمها لاحقاً حركات وجيوش في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والعراق، بحيث تعود ملكية هذا الإبداع إلى جيش التحرير الشعبي الصحراوي.
وحتى الجيش المغربي نفسه تعلم من جبهة البوليساريو العديد من الأساليب والطرق الميدانية وكما ذكر الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز قائلاً: "نحن ضحية انتصاراتنا"، بمعنى أنه في كل مرة يقوم فيها مقاتلو جيش التحرير الشعبي الصحراوي بعمليات ناجحة وفق أسلوب وطريقة جديدة، إلا ونجد المغاربة يتبنونها ويعملون وفقها، في محاكاة للتجربة الصحراوية التي تفوقت عليهم في الحرب، رغم الفرق الشاسع بين تعداد وعتاد الجيش الصحراوي، الذي يمتلك عقيدة الحرب والدفاع عن المقدسات، والجيش الملكي الغازي، الطامح إلى التوسع والاستحواذ على أراضي وخيرات الجيران.
ـ شهادة القائد الشهيد ابا عالي حمودي من كتاب رجل الحرب والسلم ـ تأليف حمة المهدي، دار النشر لارمتان راصد 2018.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...