أثار قرار الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبرييّا بشأن دعم الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية جدلاً سياسياً داخل كولومبيا، بعدما عبّر نواب في الكونغرس عن رفضهم للخطوة، معتبرين أنها تمثل خروجاً عن الموقف الذي دافعت عنه كولومبيا تاريخياً تجاه حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
ويأتي هذا الموقف البرلماني في سياق نقاش أوسع حول حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في تحديد توجهات السياسة الخارجية، ومدى انسجام القرارات المتعلقة بالصحراء الغربية مع علاقات كولومبيا مع الجمهورية الصحراوية والتزاماتها بمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
رفض برلماني للقرار
وشدد المنتقدون داخل الكونغرس الكولومبي على أن قضية الصحراء الغربية لا يمكن حسمها من خلال اعتراف أحادي الجانب، مؤكدين أن وضع الإقليم يبقى مرتبطاً بمسألة تقرير المصير التي تشكل جوهر النزاع منذ عقود.
ويرى هؤلاء أن أي تغيير في الموقف الرسمي لكولومبيا ينبغي ألا يتم بمعزل عن المبادئ التي ظلت تحكم سياستها الخارجية، ولا سيما احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية ووفق قواعد القانون الدولي.
وبحسب الموقف الذي عبّر عنه البرلمانيون الرافضون، فإن القرار الرئاسي لا يعكس بالضرورة موقف المجتمع السياسي الكولومبي بأكمله، ولا يمكن اعتباره تعبيراً عن إرادة الشعب الكولومبي أو إجماع مؤسساته.
الصحراء الغربية وحق تقرير المصير
وتكتسب القضية حساسية خاصة في كولومبيا بالنظر إلى أن قضية الصحراء الغربية تُطرح في إطار منظومة الأمم المتحدة باعتبارها قضية تصفية استعمار،
حيث تدافع جبهة البوليساريو، عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره والاستقلال، وتعتبر أي اعتراف بالسيادة المغربية على الإقليم تجاوزاً للإطار القانوني الدولي الذي يحكم القضية.
ومن هذا المنطلق، يرى الرافضون لقرار تجميد العلاقات مع الجمهورية الصحراوية يمثل تحولاً سياسياً ينبغي مراجعته، خصوصاً أن مستقبل الإقليم، وفق هذا الطرح، يجب أن يحدده الشعب الصحراوي من خلال ممارسة حقه في تقرير المصير.
«تراجع عن موقف تاريخي»
ووصف منتقدو الخطوة التحول في الموقف الكولومبي بأنه تراجع عن نهج تاريخي تجاه القضية الصحراوية، معتبرين أن كولومبيا لطالما أكدت في مواقفها الدبلوماسية أهمية احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ويحذر البرلمانيون الرافضون من أن تغيير هذا النهج قد يضع السياسة الخارجية الكولومبية أمام تناقض بين الالتزامات المعلنة في مجال القانون الدولي وبين الخيارات السياسية الجديدة للحكومة.
كما يرون أن قضية الصحراء الغربية لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة في الحسابات الجيوسياسية أو العلاقات الثنائية، بل يجب أن تبقى مرتبطة بمبادئ تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير
«القرار لا يمثل الشعب الكولومبي»
وتكمن أهمية الموقف البرلماني في الرسالة السياسية التي يحملها: أن قرار السلطة التنفيذية لا يعني بالضرورة وجود إجماع وطني حوله.
ففي الأنظمة الديمقراطية، تظل السياسة الخارجية مجالاً لتفاعل مؤسسات متعددة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرارات ذات أبعاد قانونية ودولية وسيادية كبيرة.
ومن هنا، فإن المعارضة التي ظهرت داخل الكونغرس يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة فتح النقاش حول الأسس التي ينبغي أن تحكم الموقف الكولومبي من النزاع في الصحراء الغربية.
انتصار سياسي للقضية الصحراوية
ويمثل هذا الرفض البرلماني مكسباً سياسياً مهماً للشعب الصحراوي، لأنه يكشف أن التحولات الدبلوماسية لا تعني بالضرورة انتهاء الجدل داخل المؤسسات السياسية.
فالرسالة التي يوجهها الموقف المعارض هي أن قضية الصحراء الغربية ما تزال حاضرة داخل النقاش السياسي الكولومبي، وأن الاعتراف بالموقف المغربي لا يحظى بإجماع مؤسسات الدولة.
كما يمنح هذا الموقف جبهة البوليساريو والدبلوماسية الصحراوية مساحة جديدة للتأكيد على أن معركتها الدبلوماسية لا تقتصر على الحكومات، وإنما تمتد إلى البرلمانات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، حيث يستمر النقاش حول شرعية المطالب الصحراوية وحق تقرير المصير.
مواجهة الرواية المغربية
وتكتسب الخطوة البرلمانية أهمية إضافية بالنسبة للخطاب السياسي حول الصحراء الغربية، لأنها تأتي من داخل مؤسسة تشريعية في دولة لاتينية تربطها علاقات تاريخية بالقضايا المرتبطة بتصفية الاستعمار وحقوق الشعوب.
رسالة إلى الحكومة الكولومبية
وفي المحصلة، يمكن قراءة الموقف الرافض داخل الكونغرس باعتباره رسالة مباشرة إلى الحكومة الكولومبية مفادها أن أي تغيير جوهري في موقف البلاد من الصحراء الغربية يحتاج إلى نقاش سياسي ومؤسساتي واسع، وأن المبادئ التي حكمت الدبلوماسية الكولومبية تجاه حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يمكن تجاوزها بسهولة.
وبالنسبة للشعب الصحراوي، فإن بروز أصوات داخل الكونغرس الكولومبي ترفض الاعتراف بالموقف المغربي يمثل، سياسياً، صفعة لمحاولات تقديم الاحتلال المغربي للصحراء الغربية باعتباره أمراً واقعاً يحظى بإجماع دولي.
فالمعركة، لا تتعلق فقط بعدد الدول التي تعلن مواقف مؤيدة أو معارضة، وإنما باستمرار حضور مبدأ أساسي في القانون الدولي: حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وتحديد مستقبله السياسي بحرية، بعيداً عن الإملاءات والاعترافات الأحادية.

