تطرح قضية مرور شحنة ضخمة من الحشيش عبر معبر باب سبتة الحدودي مؤخرا، مع ورود معطيات بشأن تورط مسؤولين وعناصر أمنية وجمركية، النقاش مجددا حول مدى قدرة شبكات المخدرات على اختراق بعض مؤسسات الدولة المغربية والاستفادة من علاقات وتسهيلات تتيح لها تأمين عمليات التهريب نحو أوروبا.
وتتزامن هذه القضية مع تنامي قدرات شبكات التهريب وتطور أساليبها، من استخدام الطائرات المسيّرة والمروحيات والقوارب إلى ابتكار مسارات جديدة لتجاوز الرقابة، وهي معطيات يرى متحدثان لـ”الأيام نيوز” أنها تعكس اتساع نفوذ هذه الشبكات وطبيعة الروابط التي قد تجمعها ببعض الجهات داخل المؤسسات الرسمية.
كما يتفق الخبيران على أن تكرار عمليات تهريب كميات كبيرة من المخدرات عبر الحدود يجعل الظاهرة تتجاوز نشاطا إجراميا معزولا، لتتحول إلى تحد أمني عابر للحدود يفرض التساؤل حول الجهات التي توفر الحماية أو التسهيلات لهذه الشبكات وكيفية وصولها إلى الأسواق الأوروبية.
فمن جانبه، أفاد عبد الحق بن سعدي، أستاذ العلوم السياسية، أن المغرب بات من أبرز الدول المنتجة للمخدرات والمتاجرة بها عبر شبكات تهريب، مشيرا إلى أن هذه الشبكات أصبحت مصدر قلق متزايد لدول الجوار والدول الأوروبية، خاصة في ظل ما تكشفه التحقيقات الأخيرة من تطور لافت في أساليب التهريب.
تطور أساليب التهريب يكشف تنامي نفوذ شبكات المخدرات بالمغرب
وأوضح بن سعدي أن نشاط هذه الشبكات لم يعد يعتمد على الوسائل التقليدية، وإنما اتجه إلى توظيف تقنيات ووسائل حديثة، من بينها استخدام الطائرات المسيّرة وحفر الأنفاق وابتكار مسارات جديدة لتمرير المخدرات، في محاولة لتجاوز إجراءات الرقابة والتشديد الأمني المفروض على هذا النشاط غير القانوني.
وأشار المتحدث إلى أن استخدام هذه الوسائل المتطورة، إلى جانب عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود مع سبتة، يبرز أن الأمر يتجاوز نشاط أفراد أو مجموعات محدودة، وقد يعكس وجود تنظيمات تمتلك إمكانات ونفوذا يسمحان لها بتأمين عمليات التهريب وتوسيع نشاطها نحو الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن العائدات المالية الضخمة التي تحققها تجارة المخدرات تثير تساؤلات بشأن الجهات التي تستفيد منها وكيفية توظيفها، لافتا إلى أن جزءا منها قد يُستخدم في تمويل شبكات ضغط ولوبيات في الخارج لتحقيق أهداف سياسية.
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن التحقيقات الدولية كشفت، خلال السنوات الأخيرة، عن تورط شخصيات وقيادات تنتمي إلى مجالات عسكرية وسياسية ورياضية في أنشطة مرتبطة بتجارة المخدرات، مشيرا إلى أن بعض هذه الشخصيات تربطها علاقات وثيقة بدوائر القرار والعائلة الحاكمة في المغرب.
وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز بن سعدي أن المعطيات المتتالية بشأن شبكات التهريب وتطور وسائلها تطرح تساؤلات جدية حول مدى تغلغل تجارة المخدرات داخل بعض مؤسسات الدولة المغربية، وقدرتها على توظيف عناصر من أجهزة أمنية وجمركية لتأمين مسارات التهريب نحو أوروبا.
الرباط توظف ملف المخدرات لتحقيق مكاسب مالية وسياسية
من جهته، يرى حمة المهدي، ناشط وإعلامي صحراوي، أن تكرار عمليات تهريب المخدرات باتجاه إسبانيا وأوروبا عموما يمثل أحد أبرز المخاطر الأمنية التي تواجه المنطقة والجوار الأوروبي، مشيرا إلى أن تطور أساليب التهريب وتعدد المسارات المستخدمة في نقل المخدرات يعكسان اتساع نشاط الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وأوضح المهدي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المغرب يحتل موقعا بارزا في سوق إنتاج وتصدير الحشيش، وفق ما تؤكده التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وهيئات ومنظمات دولية، معتبرا أن تجارة المخدرات تشكل إحدى الركائز التي يعتمد عليها الاقتصاد المغربي، إلى جانب السياحة والفلاحة.
وفي هذا السياق، أشار الناشط والإعلامي الصحراوي إلى أن شبكات تهريب المخدرات لم تعد تعمل بمعزل عن مؤسسات الدولة، وإنما أصبحت هناك حالة من التداخل بين هذه الشبكات وبعض المسؤولين والعناصر داخل المؤسسات المغربية، وهو ما يسمح لها بتأمين عمليات التهريب وتسهيل تحرك الشحنات نحو الضفة الأوروبية.
وأبرز أن طبيعة الوسائل المستخدمة في عمليات التهريب تعكس تطورا لافتا في قدرات هذه الشبكات، لافتا إلى استخدام الطائرات المسيّرة والمروحيات والقوارب وغيرها من الوسائل في نقل المخدرات عبر الحدود.
ولفت محدثنا إلى أن توظيف مثل هذه الوسائل يطرح تساؤلات حول كيفية تمكن شبكات إجرامية من تنفيذ عمليات معقدة بهذا الحجم دون وجود تسهيلات أو حماية من بعض الجهات داخل مؤسسات الدولة.
وأضاف أن قضية مرور شحنات كبيرة من الحشيش عبر المعابر الحدودية، وما رافقها من شبهات تتعلق بتورط مسؤولين وعناصر أمنية وجمركية، تكشف عن طبيعة التحديات التي تواجهها الدول الأوروبية في التصدي لشبكات التهريب الدولي، خاصة أن هذه الشبكات أصبحت تعتمد على مسارات ووسائل متعددة لتجاوز الرقابة الحدودية.
كما أكد المهدي أن تكرار عمليات تهريب المخدرات نحو إسبانيا، باعتبارها إحدى أبرز بوابات العبور إلى السوق الأوروبية، يجعل الملف يتجاوز كونه قضية جنائية مرتبطة بتهريب مواد ممنوعة، ليتحول إلى تحد أمني عابر للحدود، بالنظر إلى ارتباط هذه الشبكات، بأنشطة إجرامية أخرى وقدرتها على بناء علاقات داخل مؤسسات رسمية.
واعتبر المتحدث أن السلطات المغربية توظف ملف مكافحة المخدرات والهجرة في علاقاتها مع الدول الأوروبية، موضحا أن الرباط تسعى من خلال هذا الملف إلى الحصول على مساعدات مالية وتعزيز حضورها السياسي داخل العلاقات الأوروبية، عبر تقديم نفسها كشريك أساسي في مواجهة التهريب والهجرة غير النظامية.
وأشار إلى أن هذا الأمر يجعل الدول الأوروبية أمام معادلة معقدة، إذ تجد نفسها مطالبة بالتعاون مع المغرب في ملفات أمنية مرتبطة بالمخدرات والهجرة، في وقت تثار فيه تساؤلات حول مدى ارتباط بعض شبكات التهريب بجهات داخل المؤسسات المغربية.
وفي السياق ذاته، أضاف أن تجارة المخدرات أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية وسياسية أوسع، معتبرا أن عائداتها توفر موارد مالية مهمة، بينما يسمح التحكم في ملفات المخدرات والهجرة للمغرب بالحصول على دعم أوروبي وتعزيز موقعه في المفاوضات والعلاقات الدولية.
وشدد محدثنا على أن خطورة الظاهرة تكمن أيضا في قدرة شبكات التهريب على تطوير أدواتها وابتكار أساليب جديدة لتجاوز أجهزة الرقابة، الأمر الذي يفرض تعزيز التنسيق الأمني بين دول المنطقة والدول الأوروبية، وتكثيف الجهود لتفكيك الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب وملاحقة مصادر تمويلها.
خِتاماً، أكد حمة المهدي على أن استمرار نشاط شبكات المخدرات العابرة للحدود وتطور وسائلها يشكل تحديا متزايدا لأمن المنطقة وأوروبا، معتبرا أن مواجهة الظاهرة تتطلب معالجة شاملة لا تقتصر على ضبط الشحنات المهربة، وإنما تشمل أيضا تفكيك الشبكات الإجرامية ومصادر تمويلها والكشف عن أي علاقات أو تسهيلات توفرها لها جهات رسمية.
المصدر: الأيام نيوز
