منذ أكثر من أربعة عقود، يقف الجدار المغربي في الصحراء الغربية شاهداً صامتاً على واحدة من أكثر صور تقسيم الأرض والإنسان قسوةً وإصراراً. جدارٌ يمتد لمئات الكيلومترات، ويُقدَّم في الخطاب المغربي باعتباره إنجازاً عسكرياً، بينما يمكن النظر إليه من زاوية أخرى بوصفه اعترافاً مادياً بحجم الخوف من خصمٍ بُنيت في مواجهته منظومة دفاعية بهذا الامتداد والتحصين: الجيش الصحراوي.
عسكرياً، لا تكمن أهمية الجدار في طوله فحسب، بل في حجم التحصينات والألغام والمراقبة والقوات المنتشرة على امتداده. ومع ذلك، فإن المفارقة الأبرز أن هذه المنظومة لم تمنع الحرب من الوصول إلى عمقها، ولم تجعل الجدار حصناً عصياً على العمليات العسكرية خلال سنوات المواجهة بين 1980 و1990.
لكن المفارقة الأكبر ليست عسكرية، بل سياسية ودبلوماسية.
كيف أمكن لجدارٍ يقسم شعباً وأرضاً أن يبقى، طوال هذه العقود، بعيداً عن مستوى الاهتمام السياسي والإعلامي الذي يفترض أن يحظى به؟ ولماذا لم يتحول إلى عنوان دائم في الخطاب الدولي حول النزاع؟
لقد وصلت العمليات العسكرية إلى مناطق خلف الجدار وعمقه، في أم الدگن، وأم لگطة، والعايديات، وحفرة إشياف، وتشلة وغيرها. وهنا يفرض السؤال نفسه:
هل كان اختراق الجدار عسكرياً أيسر من انتزاع موقف سياسي أو تصريح دبلوماسي واضح يدين وجوده ووظيفته؟
وهل يسير المسار الدبلوماسي بالسرعة والإصرار نفسيهما اللذين سار بهما المقاتل على الأرض؟
الأغرب أن الجدار لا يقسم الجغرافيا فقط، بل يقسم الشعب الصحراوي نفسه: قسم يعيش تحت الاحتلال خلف الجدار، وقسم يعيش في اللجوء والشتات على الجانب الآخر منه.
ومن الطبيعي أن يحاول الطرف الذي أقام الجدار تقديم روايته الخاصة بشأنه؛ لكن ما يثير القلق هو أن يتحول الجدار، مع مرور الزمن، من رمز للاحتلال والانقسام إلى مجرد واقع جغرافي اعتاد عليه الجميع.
فالجدار ليس مجرد رمال وأسلاك ومواقع عسكرية وألغام.
إنه خط مادي يرسم حدود الانقسام، ويجسّد واقعاً سياسياً مفروضاً بالقوة.
الجدار في المفاوضات
ثم يأتي السؤال الأكثر إلحاحاً:
ما موقع هذا الجدار في أي مفاوضات أو تسوية سياسية؟
هل يمكن تصور تسوية نهائية عادلة بينما يبقى الجدار قائماً بوظيفته العسكرية والسياسية؟ وإذا كان الحل النهائي يفترض إنهاء مظاهر الاحتلال والانقسام، فلماذا لا يكون تفكيك الجدار وإزالة آثاره العسكرية والألغام المرتبطة به جزءاً واضحاً من أي تصور للسلام؟
إن الجدار لا ينبغي أن يكون تفصيلاً هامشياً في المفاوضات، بل ملفاً قائماً بذاته، لأن وجوده مرتبط مباشرةً بواقع التقسيم الذي فرضه النزاع.
وفي المناصرة... أين الجدار؟
يبقى السؤال الآخر موجهاً إلى كل الجهات المعنية بالمرافعة السياسية والإعلامية:
أين الجدار في خطاب المناصرة؟
أين البيانات التي تذكّر العالم بأن هذا الجدار ليس مجرد منشأة عسكرية، وإنما رمز مادي لتقسيم الشعب والأرض؟
وأين الحملة الدولية المستمرة التي تجعل تفكيكه وإزالة آثاره مطلباً ثابتاً ضمن مسار الحل، لا قضية موسمية تظهر وتختفي؟
لقد آن الأوان لأن يعود الجدار إلى مكانه الطبيعي في الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي: في قلب قضية الصحراء الغربية، لا على هامشها.
فبعد 46 سنة، لا ينبغي أن يتحول طول عمر الجريمة إلى مبرر للتعايش معها.
الجدار قريب... لأنه حاضر في الأرض.
وغريب... لأنه غائب عن كثير من الخطابات.
حاضر في الجغرافيا، غائب في الدبلوماسية.
ظاهر للعين، مغيّب في السياسة.
ويظل، قبل كل شيء، شاهداً صامتاً على وطنٍ شُطر، وشعبٍ قُسّم، وقضيةٍ لم تنتهِ.
المهندس الصحراوي
والمتخصص في تنسيق الأعمال المتعلقة بالألغام :
غيثي النح البشير
