القائمة الرئيسية

الصفحات

الجنسية للصحراويين المولودين في عهد الإدارة الإسبانية.. خطوة تشريعية تفتح أمام مدريد باب المسؤولية المؤجلة


ليست كل القوانين شأنا تشريعيا محضا، وليست كل تعديلات قانون الجنسية مجرد إجراءات إدارية تنظم علاقة الدولة بمواطنيها. فهناك قوانين تُكتب بالحبر، وأخرى تكتبها الذاكرة والتاريخ ومسؤولية الدول عن ماضيها. ومن هذا الصنف يأتي مشروع القانون الإسباني المتعلق بمنح الجنسية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية.
وإذا كان النقاش قد انصبّ في الأيام الأخيرة على مضمون المبادرة، فإن القراءة المتأنية تكشف أن الحدث الحقيقي لم يكن في المشروع نفسه، بل في الجهة التي تبنت التحول السياسي بشأنه. فحين يعلن وزير الخارجية الإسباني تأييد الحكومة لمشروع يتعلق بالجنسية، فإن الرسالة تتجاوز بكثير حدود وزارة العدل واختصاصاتها، لتدخل مباشرة في صميم السياسة الخارجية للدولة.

وهنا تكمن الدلالة، فوزارة الخارجية لا تتحرك في الملفات ذات البعد الدولي إلا عندما تكون الدولة مدركة أن أي خطوة داخلية ستكون لها انعكاسات قانونية وسياسية خارج الحدود. ولذلك، فإن انتقال الملف من الدائرة الإدارية إلى الدائرة الدبلوماسية ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل اعتراف ضمني بأن قضية الصحراويين لا تزال مرتبطة بالتزامات إسبانيا الدولية، وبالإرث القانوني الذي خلّفه انسحابها من الصحراء الغربية سنة 1975.

لقد حاولت الحكومات الإسبانية المتعاقبة، على مدى عقود، التعامل مع الملف الصحراوي باعتباره ملفا خارجيا يخص الأمم المتحدة أو نزاعا إقليميا بين أطراف أخرى، متجنبة الخوض في مسؤوليتها التاريخية والقانونية. غير أن هذا المشروع يعيد فتح الباب الذي ظل موصدا منذ نصف قرن: باب العلاقة القانونية بين الدولة الإسبانية والشعب الصحراوي.

فالقانون الدولي لم يمنح إسبانيا يوما شهادة براءة من مسؤولياتها. والأمم المتحدة لا تزال تعتبر الصحراء الغربية إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي ينتظر استكمال مسار تصفية الاستعمار، كما أن اتفاق مدريد الثلاثي لعام 1975 لم ينقل السيادة على الإقليم، ولم يمنح المغرب أو موريتانيا صفة القوة المديرة، وهي حقيقة كرستها مواقف الأمم المتحدة والاجتهادات القضائية الدولية، بما في ذلك الأحكام المتتالية الصادرة عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، التي أكدت أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب، وأن أي تعامل معه يستوجب احترام إرادة شعبه وممثله الشرعي والوحيد، جبهة البوليساريو.

من هنا يصبح مفهوما لماذا جاء التحول من وزارة الخارجية تحديدا.

فمنح الجنسية للصحراويين ليس مجرد تسوية لوضع إداري، بل هو اعتراف بأن العلاقة القانونية التي جمعت إسبانيا بسكان الصحراء الغربية لم تكن علاقة عابرة انتهت بانسحاب عسكري، وإنما رابطة قانونية وتاريخية لا تزال آثارها قائمة، وأن الدولة الإسبانية مطالبة، ولو جزئيا، بمعالجة نتائج الفراغ الذي خلّفه انسحابها دون استكمال عملية تصفية الاستعمار.

ولذلك، فإن المبادرة تحمل بعدين متلازمين. الأول إنساني وأخلاقي، يتمثل في إنصاف آلاف الصحراويين الذين كانوا، بحكم القانون الإسباني، مواطنين يخضعون للإدارة الإسبانية، قبل أن يجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها خارج أي حماية قانونية واضحة.

أما البعد الثاني فهو سياسي بامتياز، لأنه يعكس إدراكا متناميا داخل المؤسسات الإسبانية بأن تجاهل المسؤولية التاريخية لم يعد خيارا قابلا للاستمرار، وأن الديمقراطية الإسبانية مطالبة، ولو تدريجيا، بمراجعة إحدى أكثر صفحات سياستها الخارجية التباسا.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن الدينامية البرلمانية التي قادتها البرلمانية الصحراوية عن حزب “سومار”، الأخت تسلم سيدي، والتي نجحت في نقل القضية من فضاء التضامن الرمزي إلى فضاء التشريع وصناعة القرار. فوجود صوت صحراوي داخل المؤسسة التشريعية الإسبانية لم يعد مجرد تمثيل سياسي، بل أصبح عاملا مؤثرا في إعادة إدراج القضية الصحراوية ضمن النقاش العمومي الإسباني، ليس بوصفها نزاعا بعيدا، وإنما باعتبارها جزءا من التاريخ السياسي والقانوني لإسبانيا نفسها.

ولهذا، فإن مجرد مناقشة الدولة الإسبانية لمسألة الجنسية على أساس الارتباط التاريخي والقانوني بالصحراويين يمثل، في حد ذاته، نسفا للرواية التي حاولت الرباط ترسيخها منذ عقود، ومفادها أن ملف الصحراء الغربية قد طُوي نهائيا. فالدولة التي كانت تدير الإقليم تعود اليوم، ولو بصورة غير مباشرة، للاعتراف بأن آثار وجودها القانوني لم تنته، وهو ما يؤكد أن القضية لا تزال قائمة في القانون الدولي، مهما حاولت الوقائع الميدانية فرض واقع سياسي مختلف.

إن القانون، في كثير من الأحيان، يقول ما لا تستطيع الدبلوماسية التصريح به. فحين تعترف الدولة بحق فئة معينة في استعادة رابطة قانونية معها بسبب وضعها خلال الحقبة الاستعمارية، فإنها تقر، ضمنا، بأن تلك المرحلة لم تُغلق آثارها القانونية بعد، وأن الزمن وحده لا يمحو المسؤوليات الدولية.

إن أخطر ما في هذا المشروع ليس أنه يمنح الجنسية، بل إنه يعيد الاعتبار لمبدأ طالما حاولت السياسة تجاوزه: أن المسؤولية التاريخية لا تسقط بالتقادم عندما تكون مرتبطة بحقوق الشعوب. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمبادرة لا تُقاس بعدد المستفيدين منها، بل بما تؤسسه من سابقة قانونية وسياسية داخل الدولة الإسبانية نفسها. فهي تعيد الصحراء الغربية إلى قلب النقاش الدستوري والأخلاقي الإسباني، وتُذكّر بأن آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا ليست ملفا بعيدا عن مدريد، بل جزء من تاريخها ومسؤوليتها.

ويبقى السؤال الأكبر، وهو السؤال الذي ستواجهه السياسة الإسبانية عاجلا أم آجلا: إذا كانت إسبانيا تعترف اليوم بوجود رابطة قانونية خاصة مع الصحراويين الذين عاشوا تحت إدارتها، فهل يمكنها الاستمرار في الفصل بين هذه الحقيقة وبين مسؤوليتها الدولية عن استكمال مسار تصفية الاستعمار؟
ذلك هو السؤال الذي لا يجيب عنه قانون الجنسية وحده، وإنما سيجيب عنه مستقبل العلاقة بين إسبانيا وجبهة البوليساريو، وبين القانون الدولي والإرادة السياسية، وبين ذاكرة دولة لم تغادر الصحراء الغربية بالكامل… وقضية لم تغادر ضمير التاريخ.
الإعلامي والدبلوماسي : بابا السيد لعروسي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...