منذ انسحابها من الصحراء الغربية سنة 1975 دون استكمال مسار تصفية الاستعمار، بقيت إسبانيا تحمل مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية تجاه الشعب الصحراوي، فالقوة الاستعمارية السابقة لم تغادر الإقليم بعد تمكين شعبه من ممارسة حقه في تقرير المصير، بل تركته فريسة للاطماع التوسعية واتفاقيات سياسية لم تعترف بها الأمم المتحدة، لتبدأ واحدة من أطول قضايا تصفية الاستعمار في العالم.
وعلى امتداد خمسة عقود، تعاقبت على الحكم في مدريد حكومات يمينية ويسارية، واختلفت الشعارات الانتخابية، لكن الثابت الوحيد كان استمرار التهرب من تحمل المسؤولية التاريخية، وتقديم المصالح الاقتصادية والجيوسياسية على حساب العدالة والقانون الدولي.
واليوم، تعود بعض الأحزاب الإسبانية لتقدم مشروع منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين باعتباره "إنجازا تاريخيا"، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أي إنجاز هذا الذي يمنح الفرد جواز سفر، بينما يترك الوطن تحت الاحتلال؟
إن الشعب الصحراوي لم يخض كفاحه الممتد لعقود من أجل أن يصبح مواطناً في دولة كانت بالأمس القوة الاستعمارية، وإنما ناضل من أجل الحرية والاستقلال واستكمال سيادة دولته المعترف بها في الاتحاد الإفريقي، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
ولو كانت تلك الأحزاب جادة في إنصاف الصحراويين، لوجهت جهودها السياسية نحو ما يشكل إنجازا حقيقيا في الاعتراف الرسمي للجارة الإسبانية بالجمهورية الصحراوية، وتصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الدولة الإسبانية سنة 1975، والدفاع داخل المؤسسات الأوروبية عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق قرارات الأمم المتحدة.
فالاعتراف بالدولة الصحراوية كان سيحمل قيمة سياسية وقانونية وتاريخية، ويعيد لإسبانيا شيئاً من مصداقيتها كدولة تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، أما منح الجنسية، مهما كانت فوائده الفردية لبعض الأشخاص، فإنه لا يعالج أصل المشكلة، ولا ينهي الاحتلال، ولا يعيد الأرض إلى أصحابها.
بل إن الخشية تكمن في أن يتحول هذا الطرح إلى محاولة لتجميل صورة السياسة الإسبانية، وإيهام الرأي العام بأن مدريد تقدم شيئاً كبيراً للصحراويين، بينما تتجنب اتخاذ الموقف الذي ينتظره منها التاريخ.
لقد أثبتت التجربة أن الحكومات الإسبانية، سواء قادها اليمين أو اليسار، فضلت في كثير من الأحيان منطق المصالح مع الاحتلال المغربي على حساب مسؤوليتها التاريخية تجاه آخر مستعمرة إفريقية لم تستكمل عملية تصفية الاستعمار فيها.
ولذلك، فإن الصحراويين لا يقيسون مواقف الدول بعدد جوازات السفر التي تمنحها، وإنما بمدى احترامها للشرعية الدولية وحق الشعوب في الحرية والاستقلال.
إن ما يحتاجه الشعب الصحراوي اليوم ليس بديلاً عن وطنه، ولا وثيقة سفر أجنبية، بل موقفاً سياسياً شجاعاً يعترف بحقه في دولته المستقلة، ويدعم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتنظيم استفتاء تقرير المصير.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام الطبقة السياسية الإسبانية: هل تريد حقاً تصحيح صفحة من تاريخها، أم أنها تبحث فقط عن صيغة جديدة للتعايش مع الخطأ القديم؟
فالتاريخ لا يصحح بمنح الجنسية، بل بالاعتراف بالحق ولا تمحى مسؤولية الاستعمار بجواز سفر، وإنما تمحى عندما تقف الدولة التي كانت تحتل الأرض إلى جانب أصحابها الشرعيين، وتدعم حقهم في الحرية والسيادة والاستقلال.
