عندما يفرُّ الآلافُ جماعاتٍ وفُرادى، تاركين خلفهم بلاداً ضاقت بأهلها فور انتهاء “خطاب العرش”، فاعلم أن الكارثة قد بلغت مدًى لا يُطاق، وأن الأمل في تلك الأرض قد دُفن حياً. لم يعد الأمر مجرد أزمة اقتصاديّة عابرة أو تعثر حكومي سطحي، بل هو زلزال وجودي حقيقي يلوذ فيه الإنسان بالمغامرة بأغلى ما يملك والفرار من موطنه نجاةً بجلده من جحيم انسداد الآفاق.
إن المشاهد الصادمة التي أضحت تزين شواطئ سبتة وقوارب الموت، حيث يرمي شباب وقاصرون — وفي مقدمتهم كفاءات وأبطال رياضيون رفعوا راية الوطن في المحافل الدولية — بأنفسهم في التلاطم الغاضب للأمواج، ليست سوى استفتاء ميداني بالحد الأقصى من الشجاعة واليأس في آن واحد؛ استفتاء يُعلن من خلاله جيل كامل بطلانه لسرديات “التنمية”، و”الاستقرار”، و”النموذج التنموي” الذي يُسوَّق له في الخطابات الرسمية المجهزة في الغرف المغلقة.
مملكة بلا شعب.. وملكٌ يحكم السراب
كيف يُمكن لخطاب رسمي أن يتحدث بلغة “التراكمات الإيجابية” و”صواب الاختيارات الكبرى”، بينما في ساحات الواقع يفر الأبطال الكفاءات، والشباب المنهك سباحةً باتجاه الضفة الأخرى؟
إن التناقض الصارخ بين خطاب يُحلق في سماء الاستراتيجيات الماكرو-اقتصادية والأرقام الجافة، وبين واقع شعب يكتوي بالغلاء، والبطالة، وتدهور الخدمات الأساسية، واستنزاف الثروات المائية والفلاحية، يضع النظام أمام حقيقة عارية: إنك تبني عرشاً على السراب حين تفقد شعبك.
حين تتحول الدولة إلى طارد لأبنائها، وحين تُصبح الهجرة هي المغامرة الأخيرة للتنفس والعيش بكرامة، فإن عقد المواطنة يُصبح شكلياً، وتبقى المؤسسات مجرد شواهد صامتة على أرضٍ خاوية أفرغها التفقير والتهميش من روحها الحية.
انتحار النخبة وعبودية البلاط: الهوان الأكبر
وعندما يسقط السقوطُ نفسه إلى قاعٍ جديد، فينحني قلمٌ صحفيٌّ—يُفترض أن يكون لسان الحق، وصوت المظلومين، والسلطة الرابعة التي تُحاسب وتُنقب—ليُقبل رِجلاً في إطار صورة؛ فهذا ليس مجرد هوان فردي، بل هو انتحار رسمي للكرامة، وإعلان لموت النخبة، وتبجيل للعبودية في أبهى صورها المخزية.
إن المنظومة التي تحول الإعلام من أداة للمساءلة والمكاشفة إلى بوق للتملق والركوع تحت أقدام السلطة المخزنية، توضح عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي آلت إليها البلاد:
نخبة متزلفة: فضلت الانخراط في ثقافة الركوع والتملق والمكاسب الضيقة على حساب قضايا المجتمع وآلامه.
تصحير للمجال السياسي والمدني: حيث أُفرغت المؤسسات والواجهات الصحفية من كل نَفَس مراقب أو ناقد، ليحل محلها طابور من المبخرين والمطبلين الذين يكرسون ثقافة الخنوع والتبعية.
عندما يتلاقى الفرار بالمهانة
إذا تلاقى فرار الشعب بمهانة النخبة، فاعلم أن البنيان قد تآكلت قواعده من الداخل، ولم يعد فيه متسع للأحرار.
فمن جهة، يخوض أبناء الشعب المغربي المعركة بكتلهم وأجسادهم العارية ضد أمواج البحر للهروب من واقع يفتقر للعدالة الاجتماعيّة، ومن جهة أخرى، تغرق “النخبة” المستفيدة في مستنقع الركوع وتقبيل اليدين والرجلين وتجسيد الخضوع المطلق.
إن هذه الفجوة العميقة بين شعب يفر بنخوته وإعلام ورجالات سلطة ينحنون بمهانتهم هي التجسيد الحقيقي لمأساة دولة أبت إلا أن تحتكر روايات النجاح وتستثمر في البهرجة، بينما تهرب من فاتورة الفشل والإخفاق التي تراكمت على مدى عقود.
إن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو شعارات رنانة تُلقى في المناسبات الرسمية، بل هو الكرامة والأمان والعدالة الاجتماعية. وما لم تُربط المسؤولية بالمحاسبة، وتُحترم كرامة المواطن، وتُوقف سياسة الاستعلاء والتهميش، ستظل هذه الصورة القاتمة هي العنوان الأبرز: مملكة يفر منها أحرارها، ولا يبقي فيها إلا من اعتاد الانحناء والانبطاح للملك ومخزنه.
بقلم: معمر قاني
المصدر: دزاير توب
