القائمة الرئيسية

الصفحات

السباحة الخضراء نحو سبتة وردود الفعل على الاستدراك الإسباني تجاه الجزائر والصحراء الغربية


لم يكن مشهد تدفق مئات الشباب والقاصرين عبر البحر سباحةً في اتجاه سبتة خلال الساعات الأخيرة مجرد تفاقم تلقائي لأزمة اجتماعية أو هروب عابر بدافع اليأس؛ بل يمثل، في جوهره الجيوسياسي، حلقة جديدة في مسلسل طويل من استخدام نظام المخزن لورقة الهجرة السرية كأداة للابتزاز والدبلوماسية الخشنة.

إن التعامي الأمني والتغافل الممنهج عن تحركات المئات على الحدود في وضح النهار لم يعد يخفى على المتابعين لكواليس العلاقات الإقليمية. فالرباط تعود مجدداً لتفعيل سياسة “فتح الحنفية” الأمنية كلما شعرت بدفء العلاقات بين مدريد والجزائر، أو كلما اتخذت الحكومة الإسبانية قرارات حقوقية وسياسية تُحجم الطموحات التوسعية للمخزن، ولا سيما فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية.

هندسة “السباحة الخضراء” بسبتة: الهجرة كغطاء للابتزاز السياسي

تُظهر التطورات الأخيرة بوضوح كيف تحولت أجساد الشباب والفقراء إلى ورقة مساومة جيو-سياسية تُرفع في وجه مدريد والاتحاد الأوروبي. فمن المعلوم أن الرقابة الأمنية على الحدود الفاصلة مع سبتة تتسم عادة بالصرامة والتنسيق المكثف. لكن السلوك المخزني يعتمد استراتيجية غض الطرف وتفكيك الحراسة فجأة، للتسبب في أزمات إنسانية وأمنية خانقة داخل الأراضي الإسبانية.

تسعى الرباط من خلال هذه التكتيكات إلى إرسال رسائل صريحة للجار الشمالي:

مقايضة الأمن بالسياسة: إشعار إسبانيا بأن التنسيق الأمني والحدودي مشروط بالالتزام الكامل بالمواقف والتفاهمات السياسية والمالية.

إغراق الإدارة الإسبانية: وضع الحكومة المركزية في مدريد والسلطات المحلية بسبتة تحت ضغط اجتماعي ولوجستي وسياسي محلي، يدفعها لإعادة النظر في خياراتها الخارجية.

التقارب الإسباني – الجزائري: زيارة سانشيز تحرك هواجس الرباط

تأتي موجات الضغط بالهجرة في أعقاب التحولات الدبلوماسية الأخيرة في المنطقة، والتي تمثلت في العودة التدريجية وتطبيع العلاقات الإسبانية – الجزائرية. وقد بلغت هذه الديناميكية ذروتها مع الزيارة الأخيرة للرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر عقب فوز إسبانيا بكأس العالم.

لقد شكلت تلك الزيارة وما رافقها من تفاهمات طاقوية واقتصادية وإعادة تنشيط للشراكات الاستراتيجية رسالة سياسية قوية أثارت حفيظة الرباط، التي كانت تراهن على قطيعة دائمة ومستمرة بين مدريد والجزائر:

استعادة التوازن الإقليمي: أدركت حكومة سانشيز أن استئناف العلاقات مع الجزائر ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الطاقوي والمصالح الاقتصادية للإسبان.

إفساد أحادية الرهان: وضعت هذه الخطوة حداً للمراهنة المخزنية على إمكانية عزل الجزائر أو الدفع بمدريد نحو تبني أطروحات الرباط بشكل أحادي ودائم دون مراعاة لتوازن القوى في حوض المتوسط.

ملف الجنسية الإسبانية للصحراويين: القشة التي قصمت ظهر العلاقات

ولم تتوقف هواجس الرباط عند حدود التقارب الإسباني – الجزائري، بل امتدت لتشمل الخطوات التشريعية والحقوقية التي اتخذتها حكومة سانشيز بخصوص منح الجنسية الإسبانية للمهاجرين والمواطنين الصحراويين المولودين قبل سنة 1975 في الإقليم الواقع تحت الإدارة الإسبانية التاريخية.

هذا القرار الإسباني، المستند إلى اعتبارات قانونية وتاريخية وتوصيات القضاء الإسباني، يُشكل بالنسبة للمخزن ضربة موجعة:

تكريس الوجود القانوني الصحراوي: إن منح الجنسية للمواطنين الصحراويين يعيد تثبيت الهوية القانونية والتاريخية للصحراويين في الوجدان والتشريع الإسباني والأوروبي، مما يُقوض محاولات تصفية القضية أو فرض أطروحات الحكم الذاتي كخيار يتيم.

استقلالية القرار الإسباني: أظهرت الخطوة الإسبانية وجود هامش حركة مستقل لمدريد يتعارض مع الرغبة المغاربية في الإغلاق الكامل للملف الصحراوي من المنظور الميكيافيلي للرباط.

معاقبة إسبانيا: تكتيكات العجز وإفلاس السياسات

أمام هذه المكتسبات التي حققها الملف الصحراوي والعودة القوية للجزائر كفاعل محوري في المعادلة المتوسطية، لم يجد نظام المخزن من أداة للتعبير عن غضبه وإعادة موازنة الضغوط سوى العودة إلى سلوكه التقليدي: معاقبة إسبانيا عبر بوابة الهجرة.

إن استخدام مئات الشباب في موجات سباحة خضراء نحو سبتة هو اعتراف غير مباشر بفشل الأدوات الدبلوماسية التقليدية للرباط، واللجوء عوض ذلك إلى سياسات الابتزاز بالأجساد الإنسانية:

تصدير الأزمات الداخلية: التخلص من احتقان الشباب المحلي المترتب عن الغلاء والبطالة بتوجيهه نحو الجدار الإسباني.

ابتزاز الاتحاد الأوروبي: فرض ملف الدعم المالي والسياسي على طاولة المفاوضات في بروكسل بحجة “حماية الحدود الإسبانية والأوروبية”.

إن المشهد القائم على حدود سبتة يؤكد أن المخزن بات عاجزاً عن إدارة ملفاته الخارجية بأساليب الدبلوماسية الرزينة؛ فكلما شهدت المنطقة خطوات نحو التوازن واحترام الحقوق التاريخية—كما في مسألة منح الجنسية للصحراويين والانفتاح الإسباني على الجزائر—إلا ولجأ النظام إلى تحويل حدوده إلى منصات للضغط والابتزاز الإنساني.

ستظل هذه الاستراتيجيات مكشوفة للرأي العام الدولي والإسباني، وتؤكد مرة أخرى أن النظام الذي يجعل من معاناة أبنائه أداة لمساومة جيرانه هو نظام يعيش أزمة خيارات بنيوية، ويُغطي على إخفاقاته الداخلية بخلق أزمات مفتعلة على حافة الحدود.
بقلم: أحمد عاشور
المصدر: دزاير توب

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...