لا يمكن قراءة مشروع القانون الرامي إلى منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 26 فبراير 1976 باعتباره مجرد مبادرة إنسانية أو قانونية، بل هو في جوهره تعبير عن صراع بين إرث إسبانيا التاريخي في الإقليم، وحساباتها السياسية والدبلوماسية الراهنة.
فعلى المستوى القانوني، ينطلق المشروع من حقيقة أن الصحراويين الذين ولدوا تحت الإدارة الإسبانية كانت تربطهم بالدولة الإسبانية علاقة قانونية مباشرة، وهو ما يفسر اعتماد تاريخ 26 فبراير 1976 مرجعا للاستفادة من التجنيس الاستثنائي. كما أن قبول الوثائق الإسبانية القديمة، بل وحتى الوثائق الصادرة عن الدولة الصحراوية والمصادق عليها من ممثلية جبهة البوليساريو في مدريد، يعكس إقرارا بخصوصية أوضاع آلاف الصحراويين الذين فقدوا وثائقهم بسبب الحرب واللجوء.
غير أن هذا البعد القانوني يصطدم بحسابات سياسية أكثر تعقيدا. فالحكومة الاشتراكية، رغم إعلان وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس تأييده المبدئي للمشروع، حرصت على التأكيد بأن منح الجنسية يجب أن يظل منسجما مع قرارات مجلس الأمن، في محاولة واضحة للفصل بين حقوق الأفراد وبين أي تأويل سياسي قد يُفهم منه أن مدريد تعيد النظر في موقفها من الصحراء الغربية أو في مسؤولياتها تجاه الإقليم.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا كل هذا الحذر؟
الجواب لا يرتبط فقط بالعلاقة مع المغرب، وإنما أيضا بالوضع الداخلي للحكومة الإسبانية. فالحزب الاشتراكي يعيش مرحلة دقيقة تحت ضغط أزمات سياسية وملفات فساد وتحقيقات مست شخصيات مقربة من دوائر السلطة، إلى جانب الجدل المستمر حول أدوار رئيس الوزراء الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحكومة أكثر حرصا على تجنب أي أزمة دبلوماسية جديدة قد تربك توازناتها أو تهدد علاقتها مع الرباط.
ومن هنا يمكن فهم تصريحات ألباريس باعتبارها محاولة لإرسال رسالتين في آن واحد: الأولى إلى الداخل الإسباني بأن الحكومة لا تعارض إنصاف الصحراويين، والثانية إلى المغرب بأن هذا الإنصاف لن يتحول إلى مراجعة للموقف السياسي الإسباني من قضية الصحراء الغربية.
لكن هذه المعادلة تظل شديدة التعقيد. فمنح الجنسية لفئة محددة لأنها كانت خاضعة للإدارة الإسبانية حتى تاريخ معين، هو في حد ذاته اعتراف بأن العلاقة القانونية بين إسبانيا وسكان الإقليم لم تنقطع آثارها بالكامل. ولذلك تحاول مدريد حصر هذه العلاقة في بعدها الإنساني، ومنع امتدادها إلى المجالين السياسي والقانوني.
وفي المقابل، ترى القوى المؤيدة للمشروع أن الاعتبارات الدبلوماسية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتنصل من مسؤولية تاريخية تجاه شعب كانت إسبانيا القوة المديرة لإقليمه لعقود.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل سيحصل الصحراويون على الجنسية الإسبانية؟ بل: إلى أي مدى تستطيع مدريد الفصل بين مسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية تجاه الشعب الصحراوي وإقليم الصحراء الغربية، وبين مصالحها السياسية والدبلوماسية الراهنة؟
لقد حاولت الحكومة الإسبانية رسم هذا الخط الفاصل من خلال الحديث عن "الموازنة" بين حقوق الأفراد والالتزام بقرارات مجلس الأمن، غير أن هذا التوازن يبدو أقرب إلى محاولة لإدارة التناقض منه إلى حلّه. فالمسؤولية التاريخية لا تُمحى بتبدل الحكومات، ولا تُلغى بتغير التحالفات، ولا تختفي بمرور الزمن. وما دام مشروع القانون نفسه يستند إلى العلاقة القانونية التي كانت قائمة بين الدولة الإسبانية وسكان الإقليم، فإن تلك العلاقة لا يمكن اختزالها بمنطق الواقعية السياسية وحده.
فالسياسة قد تؤجل الاستحقاقات وتعيد ترتيب الأولويات، لكنها لا تستطيع محو آثار التاريخ. لذلك ستظل مسؤولية إسبانيا تجاه الشعب الصحراوي وإقليم الصحراء الغربية حاضرة في كل نقاش قانوني أو سياسي، لأن التاريخ لا يسقط بالتقادم، ولأن الحقوق التي لم تُسوَّ بعد لا تلغيها حسابات المصالح مهما طال الزمن.
سلامة مولود اباعلي
