القائمة الرئيسية

الصفحات

من باع الصحراء الغربية باع شرف السياسة: اشتراكيّو إسبانيا يحصدون اليوم ثمن خيانتهم للشعب الصحراوي


ليس ما يعيشه الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني اليوم مجرد عثرة سياسية عابرة، ولا مجرد انخفاض في الشعبية، ولا حتى مجرد أزمة حكومة أنهكها الاحتكاك اليومي بالسلطة. ما يعيشه هذا الحزب هو سقوط أخلاقي وسياسي مدوٍّ، تتداخل فيه فضائح الداخل مع خيانة الخارج، وتلتقي عنده أزمة الشرعية مع أزمة الضمير. فالحزب الذي قرر أن يبيع الصحراء الغربية في سوق الصفقات مع المخزن، وأن يدير ظهره للشعب الصحراوي وحقه في تقرير مصير بنفسه ، لا يملك اليوم أن يتباكى على صورته أو يشتكي من انهيار هيبته. من باع قضية عادلة بهذا الحجم، باع قبلها شرف السياسة، وما يحصده الآن ليس مؤامرة عليه بقدر ما هو أثر طبيعي لخيانته التاريخية.
لقد أراد الحزب الاشتراكي الإسباني، بقيادة "بيدرو سانشيز"، أن يقدّم انقلابه على الموقف التقليدي من الصحراء الغربية بوصفه “واقعية سياسية”،  و”مخرجًا دبلوماسيًا” من التوتر مع الرباط. لكن الحقيقة أبشع من كل هذه العبارات الملساء. ما جرى لم يكن “تحديثًا للموقف”، بل انحيازًا صريحًا إلى رواية الاحتلال المغربي  للصحراء الغربية ، وتخلّيًا مهينًا عن مسؤولية إسبانيا التاريخية تجاه آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا. لم تكن مدريد مجبرة على أن تصبح محامية لدى المخزن، ولم يكن مطلوبًا منها أن تضع توقيعها السياسي والأخلاقي تحت مشروع يلتف على حق شعب بأكمله في الحرية والاستقلال. لكنها فعلت، لا بدافع القناعة المبدئية، بل بدافع الخضوع لابتزاز قديم يعرفه الجميع: الهجرة، الأمن، الحدود، والضغط الجيوسياسي.
وهنا تحديدًا تبدأ الفضيحة الحقيقية. لأن الحزب الاشتراكي لم يكتفِ بأن يخذل الشعب الصحراوي، بل قرر أن يذلّ نفسه سياسيًا أمام نظام المخزن، وأن يربط صورة اليسار الإسباني كله بواحدة من أكثر الصفقات انحطاطًا في السياسة الخارجية الإسبانية المعاصرة. ما الذي فعله الاشتراكيون عمليًا؟ منحوا الاحتلال غطاءً سياسيًا، وسوّقوا لمشروع الحكم الذاتي المغربي كما لو كان “الحل الأكثر جدية وواقعية ”، متجاهلين أن الجدية الوحيدة في هذا الملف هي احترام حق الشعب الصحراوي في  تقرير مصيره بنفسه، وأن الشرعية الدولية لم تُكتب لتُعلَّق حين يرفع المخزن سماعة الهاتف إلى مدريد أو بروكسل.
إن الحديث عن “تغيّر الموقف الإسباني” بصيغة باردة ومحايدة ليس سوى تزوير للوقائع. الذي حدث هو أن الحزب الاشتراكي اختار أن يكون طرفًا في طمس حق شعب، لا وسيطًا في حله. اختار أن يساير خطاب القوة بدل خطاب القانون، وأن يقترب من قصر الرباط أكثر مما يقترب من مبادئ اليسار التي يتغنى بها في الحملات الانتخابية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يحق له أن يتحدث عن العدالة الدولية، ولا عن حقوق الإنسان، ولا عن “إسبانيا التقدمية” التي تريد أن تُعطي دروسًا للعالم. من يخذل الشعب الصحراوي لا يملك أي رصيد أخلاقي ليتحدث باسم القيم.
ولذلك، فإن ما يواجهه الحزب الاشتراكي اليوم من حصار سياسي وقضائي وأخلاقي لا يمكن فصله عن هذا المسار كله. صحيح أن ملفات القضاء في إسبانيا لها مساراتها وتعقيداتها، وصحيح أن بعض الاشتراكيين يختبئون الآن خلف خطاب “الاستهداف” و”التسييس”، لكن الأهم من ذلك كله أن الحزب فقد الحصانة المعنوية التي كان يحتمي بها. لم يعد بوسعه أن يطلب من الشارع أن يصدقه حين يقول إنه ضحية، لأن الشارع نفسه رأى كيف تصرف الحزب حين كان في موقع القوة: تكبّر على الحق، وراوغ في القيم، وانحاز إلى الأقوى على حساب الأعدل.
وحين نقول إن المحاكم تراوغ الاشتراكيين أو تلاحقهم أو تضغط عليهم، فالمقصود ليس اختزال السياسة في القضاء، بل الإشارة إلى أن الحزب يعيش اليوم حالة انكشاف شامل. فكل ملف يفتح، وكل فضيحة تطفو، وكل اسم يخرج من دهاليز السلطة إلى عناوين التحقيق، يذكّر الإسبان بأن الحزب الذي قدّم نفسه كقوة أخلاقية في مواجهة اليمين، صار غارقًا حتى عنقه في الدفاع عن نفسه بدل الدفاع عن المجتمع. هذا التآكل في الداخل يلتقي مع التآكل في الخارج: حزب مأزوم قضائيًا وأخلاقيًا، وحزب خان الصحراء الغربية في الوقت نفسه. وما بين الأزمتين تنهار الهيبة، ويتبخر ما تبقى من احترام.
أما المخزن، فلا يجوز أصلًا التعامل معه في هذا الملف كطرف “يبحث عن تسوية”. المخزن ليس وسيطًا ولا شريكًا حسن النية، بل نظام احتلال وابتزاز وتوسّع، بنى جزءًا معتبرًا من نفوذه الخارجي على فرض الأمر الواقع في الصحراء الغربية، وعلى تبييض هذا الاحتلال في العواصم الأوروبية، وعلى تحويل القانون الدولي إلى ورقة تفاوض لا أكثر. المخزن لا يريد حلًا لأنه يعرف أن أي حل حقيقي يبدأ من إرادة الصحراويين، وهو أكثر ما يخشاه. ولهذا يهرب من الاستفتاء، ويشتري الوقت، ويستثمر في الضباب، ويستخدم كل أدوات الضغط الممكنة حتى يتحول الاحتلال إلى أمر اعتيادي في عيون المتواطئين.
إنه نظام لا يعيش فقط على القمع داخل حدوده، بل على تصدير الخوف إلى الخارج: خوّفوا مدريد من الحدود، خوّفوها من تدفقات الهجرة، خوّفوها من التوتر الأمني، ثم قدّموا لها الوصفة نفسها كل مرة: تنازلوا لنا عن الصحراء الغربية، نمنحكم الهدوء. وهكذا، تحوّل الحزب الاشتراكي الإسباني من حزب يفترض أنه يحمل إرثًا ديمقراطيًا وتقدميًا إلى وكيل سياسي لدى المخزن، يكرر منطقه، ويعيد إنتاج روايته، ويدفن تحت عباراته الدبلوماسية حقيقة الاحتلال.
لكن الوقائع أقسى من البلاغات الرسمية، والقانون الدولي أكثر عنادًا من بيانات وزارة الخارجية الإسبانية. فالأحكام والقرارات الأوروبية الأخيرة أعادت التذكير بحقيقة حاول الاشتراكيون دفنها: الصحراء الغربية ليست المغرب، والشعب الصحراوي ليس تفصيلًا يمكن القفز فوقه. القضاء الأوروبي لم يمنح الشرعية لضمّ الصحراء الغربية ، ولم يتعامل مع مواردها بوصفها ملكًا للمخزن، بل أعاد طرح المسألة من زاوية أساسية: لا اتفاقات مشروعة من دون موافقة الشعب الصحراوي وممثله الشرعي والوحيد "جبهة البوليساريو"(قرار محكمة العدل الأوربية الصادر في 04أكتوبر2024) ، ولا شرعية لإبتلاع إقليم الصحراء الغربية ثم تسويقه كأمر واقع. هنا يظهر حجم الخيانة الاشتراكية أكثر من أي وقت مضى: بينما كانت المحاكم الأوروبية تذكّر بالحد الأدنى من القانون، كانت مدريد الاشتراكية تتسابق إلى تقديم أوراق الاعتماد السياسية للمخزن.
إن الحزب الاشتراكي لم يخطئ فقط في تقدير المصلحة، بل أخطأ في تعريف نفسه. فالحزب الذي يبيع الصحراء الغربية لا يبيع ملفًا خارجيًا بعيدًا عن ناخبيه، بل يبيع جوهر السردية التي عاش عليها لعقود: سردية الحزب الذي يقف مع الحقوق، مع الشعوب، مع القانون الدولي، مع الضعفاء في مواجهة منطق القوة. وما إن سقط في امتحان الصحراء الغربية، حتى سقطت معه كل الزينة الخطابية. لم يعد الفرق كبيرًا في نظر كثيرين بين يمين يبرر المصالح بفظاظة، ويسار يفعل الشيء نفسه ثم يغلّفه بمفردات التقدمية. 
لهذا لا ينبغي النظر إلى مأزق الاشتراكيين الحالي بوصفه مجرد “مرحلة صعبة” ستمر. ما يحدث هو حساب سياسي وأخلاقي مؤجل. حين خانوا الصحراويين ظنوا أن المسألة ستُطوى ببيان دبلوماسي وبضع صور مع مسؤولي الرباط. حين انحازوا إلى المخزن ظنوا أن الشارع سينسى، وأن اليسار سيلتزم الصمت، وأن القيم يمكن إعادة تدويرها في موسم الانتخابات. لكن الخيانات الكبرى لا تموت بسهولة، خصوصًا حين تتزامن مع اهتزاز الداخل وانفجار الفضائح وتآكل صورة الحزب في مؤسسات الدولة وفي الرأي العام.
إن الاشتراكيين في إسبانيا يحصدون اليوم، سياسيًا وأخلاقيًا، ثمن قرارهم بأن يكونوا في الجهة الخطأ من التاريخ: ضد الشعب الصحراوي  ، ومع سلطة الاحتلال؛ ضد منطق تصفية الاستعمار، ومع منطق الصفقة؛ ضد حق تقرير المصير، ومع دعاية المخزن. ولذلك لا يكفي أن يشتكوا من خصومهم، ولا أن يرفعوا شعار “المظلومية القضائية”، ولا أن يطالبوا الناس بالصبر عليهم. من يطلب ثقة الشارع عليه أولًا أن يجيب عن السؤال الذي سيظل يلاحقه دائما : بأي حق بعتم الصحراء الغربية؟ وبأي وجه تطلبون من الناس احترامكم بعد أن بعتم قضية عادلة لتشتروا رضا المخزن؟
إن القضية الصحراوية ليست هامشًا في التاريخ الإسباني، بل جرحًا مفتوحًا في ضمير إسبانيا نفسها. وكل حزب يتعامل معها كورقة مساومة إنما يضع نفسه في خانة المتواطئين، مهما ادّعى الواقعية أو الحكمة أو البراغماتية. أما المخزن، فمهما حشد المال والنفوذ والدعاية، سيبقى سلطة احتلال لا تملك أن تمنح نفسها شرعية على أرض لا تملكها، وشعب لم يخترها، وحقّ لم يسقط بالتقادم. وأما الحزب الاشتراكي الإسباني، فقد كتب بيده سطرًا أسود في تاريخه: من باع الصحراء الغربية باع شرف السياسة، ومن خان الشعب الصحراوي لا يحق له أن يتحدث عن القيم إلا على سبيل السخرية.
الإعلامي والدبلوماسي الصحراوي.
بابا/السيد /لعروسي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...