يبدو أن مجلس الأمن الدولي قد اختار هذه المرة أن يفتح صفحة جديدة من فصول التناقض والازدواجية في تعاطيه مع القضية الصحراوية، بعد المصادقة على مشروع القرار الأمريكي الأخير الذي جاء حاملا في طياته مزيجا من الغموض والانحياز، بعيدا عن روح العدالة الدولية ومبادئ الأمم المتحدة التي يفترض أنها الضامن الأول لحقوق الشعوب المقهورة.
لقد جاء هذا المشروع ليكرس واقعا سياسيا مشوها، متجاهلا البعد القانوني والأممي للقضية الصحراوية، التي لا تزال تعد حسب المواثيق الدولية قضية تصفية استعمار بامتياز، يجب أن تحسم عبر تمكين الشعب الصحراوي من حقه المشروع وغير القابل للتصرف في تقرير مصيره بحرية كاملة. لكن ما حدث يكشف بوضوح أن القوى الاستعمارية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، باتت تتصرف بمنطق القوة لا قوة المنطق، وتحاول أن تحول مجلس الأمن إلى أداة لتشريع الظلم وتجميل الاستعمار بأقنعة دبلوماسية زائفة.
لقد عمدت واشنطن، حاملة الظلم هذه المرة، إلى تمرير مشروعها رغم الجهد الدبلوماسي الهائل والنبيل الذي بذلته الجزائر دفاعا عن الحقيقة وعن صوت العدالة الذي لا يزال يتردد في أروقة الأمم المتحدة منذ عقود. ورغم إدخال تعديلات على المسودة الأصلية، فإنها بقيت مجرد تحسينات لغوية سطحية، لم تمس جوهر الانحياز ولم ترق إلى مستوى تطلعات الشعب الصحراوي، الذي يبقى الطرف الحقيقي في هذه المعادلة والمظلوم الدائم في صمت العالم.
إن تقديم ما يسمى بـ مقترح الحكم الذاتي على أنه "حل واقعي" ليس سوى محاولة مكشوفة لطمس الحقائق وإلباس الباطل ثوب الشرعية. فكيف يكون واقعيا ما يناقض القانون الدولي؟ وكيف يمكن لمشروع استعمار جديد أن يقدم كحل إنساني؟ إن ورود مبدأ تقرير المصير في نص القرار لا يعني شيئا عندما يفرغ من مضمونه الحقيقي عبر عبارات ملغومة وصياغات مراوغة تفتح الباب أمام التفسير الانتقائي والتأويل السياسي الموجه.
وما يزيد المرارة أن مشروع القرار سعى إلى التلاعب المتعمد بالحقائق، ومحاولة فرض حلول جاهزة ترضي الاحتلال المغربي وتكرس هيمنته، في الوقت الذي يتغاضى فيه عن جوهر القضية، قضية شعب ينكر عليه العالم حقه في أن يكون سيد أرضه ومصيره. إن ما يسمى "التفاوض حول المقترح المغربي" لا يمكن اعتباره إلا إجهاضا مبكرا لحق الشعب الصحراوي، لأن الحق لا يتفاوض عليه، بل ينتزع انتزاعا.
غير أن المكر السياسي لا يصمد طويلا أمام صلابة الحقائق. فالمخزن المغربي الذي ظن أنه ابتلع الطعم الأمريكي وأحكم قبضته على خيوط اللعبة، وجد نفسه في النهاية مجبرا على الجلوس من جديد إلى طاولة المفاوضات مع الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهو صاغر، مكرها لا بطلا. عاد ليعترف – ولو بغير إرادته – أن الحل لن يصنع في الرباط ولا في واشنطن، بل في إرادة الشعب الصحراوي الذي يملك وحده حق القبول أو الرفض.
ومهما حاول الاحتلال أن يروج لمقترحاته المعلّبة، فإنها ستبقى عقيمة سياسيا وقانونيا، لأنها لا تملك الشرعية الشعبية التي تمنحها الحياة، فالقضية الصحراوية ليست ورقة مساومة، بل قضية شعب يرتبط مصيره بأرضه ارتباط الروح بالجسد.
ورغم ذلك، تبقى الثقة راسخة في الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، التي برهنت عبر مسيرتها الطويلة أنها لا تساوم على المبادئ ولا تفرط في الثوابت مهما تبدلت الظروف وتعاظمت الضغوط. غير أن التحولات التي تشهدها المنطقة اليوم، على المستويين الإقليمي والدولي، تفرض على الجبهة أن تراجع أساليبها وتستحدث أدواتها بما يعيد الاحتلال المغربي إلى حجمه الطبيعي، ويفصل بينه وبين حلفائه الذين اصطفوا إلى جانبه بدافع الطمع لا القناعة، إذ يرون في الأراضي الصحراوية المحتلة خزائن قارون، أو أرضا بديلة لاستثماراتهم ومشاريعهم الاستيطانية المقنعة.
إن القضية الصحراوية اليوم ليست مجرد ملف سياسي لدى الأمم المتحدة، بل هي قضية كرامة ووجود وهوية. هي امتحان للضمير الإنساني، واختبار لصدق العالم في احترام القيم التي يتغنى بها في المحافل الدولية. ومهما حاولت قوى الظلم أن تزيف الوقائع أو تحرف البوصلة، فإن الحقيقة تبقى أقوى من كل خطاب، والحق الصحراوي سيظل واضحا كالشمس، لا تغطيه سحب السياسة ولا تطفئه رياح المصالح.
إن التاريخ لا يكتب بالبيانات ولا يصاغ في كواليس المكاتب، بل ينقش بدماء الأحرار وإرادة الشعوب. والشعب الصحراوي الذي قدم التضحيات جيلا بعد جيل، لا يزال يكتب فصول كفاحه بصبر الأنبياء وعزيمة الثوار، حتى تشرق شمس الحرية فوق رمال الساقية الحمراء ووادي الذهب، ويعود الحق إلى أهله مهما طال ليل الاحتلال وتواطأت قوى المصالح.
بقلم: حدي عبد الرحمن
