القائمة الرئيسية

الصفحات

التطرف الفكري وخطره على الفرد والمجتمع


أصبحت ظاهرة التطرف "الفكري" ظاهرة عالمية، تؤرق وتشغل بال الدول والمجتمعات وتخصص لدراستها الملتقيات والندوات وترصد لتجفيف منابعها ووأد أسبابها الأموال وتصرف الأوقات، للحد من أخطارها الوخيمة وما تتركه من اثار جسيمة تتسبب في سفك دماء الأبرياء وترويع الآمنين وزرع الذعر بين المواطنين، وزعزعة الأمن والاستقرار داخل البيوت الآمنة، حتى صارت بعض المجتمعات تعيش دوامة من العنف الدموي الذي لا يرى له اهل العقول والنهى مبررا سوى الحماقة والجهل، لكن حين ترى العشرات من شبابنا ممن وقعوا في شراك الأفكار الوافدة التي تتبنى التكفير وإلغاء الآخر منهجا في الدعوة، حتى أصبحت فئة من فلذات أكبادنا وهي في ريعان الشباب تساق الى وجهات "مجهولة"، وهنا حق لنا أن نطرح عديد الأسئلة عن دور الآباء والأمهات في التنشئة؟ أين دور المدرسة؟ أين دور المصلحين وأئمة المساجد؟ اين مؤسسات الدولة؟ كلها تساؤلات تغيب في بحر التفسير الخاطئ للدين الذي أصبح يعشعش في مخيلة البعض من شبابنا ويفتح المجال على مصراعيه أمام الأفكار الخاطئة حتى بات من السهل أن يغرر بهم، فيركبون أمواج الطريق الوعر، ويتساقطون في حبائل الفكر الخطير، ويتوغلون عكس التيار والدرب الذي نسير فيه بل المصيبة الأكبر يصبحون وقود أجندات معادية لشعبهم وقضيتهم.
نتأكد إذن بان المرض عضال والنتيجة وخيمة إن ترك الحبل على الجرار دون تدارك الامور وهي في طور التنظير والتكفير قبل ان يصل حد التفجير حينها نعض أصابع الندم حين لا ينفع الندم ، وتحل الفوضى بالمجتمع ويغيب الأمن والاستقرار كما هو مشاهد ومعلوم في البلاد المجاورة ولا داعي لذكر الأمثلة فهي واضحة للعيان.
ولتسليط الضوء على أسباب الظاهرة ونتائجها المدمرة، وسبل الحد منها وتجفيف منابعها نستعرض ذلك بشيء من التفصيل لان الخطب عظيم والمصيبة اكبر.
إننا حين ننظر إلى مجتمع ظل التسامح عنوانه الأبرز وواجهته التي نفخر بها، ونقنع بها الآخرين في عدالة قضيتنا ونبل ونقاوة كفاحنا ضد العدو الغازي، نجد الكثيرين من فلذات أكبادنا وقوانا الحية، شبابنا أمل الغد ورجاء المستقبل يتساقطون في شراك دعاة الفتنة والتكفير، يزداد الحرص على تبيين الحق والتحذير من الباطل وأهله فمجتمعنا ليس بدعا من المجتمعات ولم يكن بمعزل عن التأثر بهذا الفكر الغريب، الذي إذا حل باي مجتمع شتت اوصاله وهدم بنيانه وزرع الفرقة بين أفراده، فهو كالسرطان ينخر جسم الإنسان، وهذا الفكر الدخيل على مجتمعنا الصحراوي أصبح يهدد امن و استقرار المجتمع في ظل التساهل غير المبرر من الدولة مع الأفكار الوافدة!؟
فأصبح المجتمع بين مطرقة التكفير وسندان التنصير، فاستولى على بعض المساجد التي تخاطب المجتمع وتتولى مهمة الدعوة والتوجيه، بعض المتحمسين من أنصاف المتعلمين الذين يبثون سموم التكفير والتحريض ضد مبادئ المجتمع وتشكيك الناس في الثوابت الدينية والوطنية معا، مما احدث بعض البلبلة والفوضى وصارت بعض المساجد مسرحا للجدل بدل ان تكون منارات للعلم والمعرفة وتحولت منابرها الى خطب حماسية وأفكار خرافية لا علاقة لها بواقع الناس ولا تسترشد بمحكم القرآن ولا صحيح السنة ولا بتراث وعقيدة المجتمع ولكم حين يسمع الشاب اليافع المتحمس للدين عبارات من قبيل "مصحف يداس ونبي يهان والمسجد الأقصى أسير..." وغيرها من الكلمات ذات الوقع والتأثير على شبابنا الا تنتابه العزة بالنفس والتضحية من اجل التصدي لتلك المظالم؟ لكن تحت أي راية، واي طائفة يمكن ان يسير؟ وهي أساليب إغرائية خطيرة يعتمد عليها أصحاب الفكر الضال في الترويج لقدسية ما يحاربون من اجله وما يحقق لهم الانتشار والقبول بين الناس، وإخفاء الجانب المظلم من نشاطهم، حتى وقع الكثير من أبنائنا في حبائل هؤلاء وإن عن حسن نية، كما ساهمت عوامل موضوعية رمت بهؤلاء الشباب إلى الانعزال عن المجتمع ورميه بالردة والتكفير وقد يكون للظروف اللجوء التي يعيشونها وما يشعر به البعض من عدم ايجاد الدولة لحلول ناجعة لادماج الشاب في الحياة العملية، ولد نوعا من القابلية لقبول تلك الأفكار التي جعلته يتوغل في سراب الوهم ،كل هذا يحدث امام عجز الدولة عن تأطير الخطاب الديني وترشيده في خدمة مصالح المجتمع وترسيخ قيم الوحدة والألفة وصفاء العقيدة وسلامة المنهج والتصدي لحملات التنصير والفساد الأخلاقي التي باتت تزيد من وتيرة التطرف المضاد وتهدد هي الأخرى بيوت الصحراويين وإن تحت مسميات وفي قوالب تظاهرات، مهرجانات، كل ذلك بات يطرح أكثر من سؤال؟
إن الجدال في عدالة قضيتنا وإسلام شعبنا ضرب من ضروب الترف الفكري الذي لا فائدة من ورائه، أراد الأعداء تصديره إلى نفوسنا في هذه المرحلة الصعبة بالذات، وكانت محطة الاستقبال لدى الكثير من شبابنا جاهزة فاحتضنت هذا الفكر بسبب التحمس للدين وعن حسن النية وإن حاول البعض التستر عليه في البداية واعتباره فقاعات صابون ستضمحل وتختفي لأنه فكر دخيل وغريب على مجتمع التسامح والثوابت، لكن الواقع حكى لنا العكس حيث زادت حزمة المنضمين للركب الجديد وكثرت الاشاعات عن غرائب فكره ، فتارة يهاجم المجتمع ويحكم عليه بالكفر والجاهلية، وقد احدث هذا فوضى في اوساط الكثير من العائلات التي تأثر ابناؤها بهذا الفكر وانقطع الكثير منهم عن الدراسة، بحجج واهية حرمتهم التعلم والتبصر في علوم الدين والدنيا، وتارة يمس من المبادئ الوطنية ويشكك في مشروعية جهادنا ومقاومتنا للعدو الغازي؟ بحجة اننا نقاتل مسلمين رغم ان المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول :" من قتل دون عرضه فهو شهيد " والتشكيك في شهادة من قضوا نحبهم في ميدان العز والشرف، من هنا كان لابد من البحث في اسباب انتشار الظاهرة ومناقشة اصحاب هذا الفكر بالحجة والبرهان، ليس غطاءا لشرعنه التصرفات المنافية للدين وقيم المجتمع، او رغبة البعض في التشفي من المخالفين ((ما اريد إلا الإصلاح ما استطعت... ))، لانهم اخواننا وابناء جلدتنا، نحب لهم الخير اتباعا لقوله صلى الله عليه وسلم :" لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه "وان يكون لهم دور فعال في بناء المجتمع بدلا من استنفاد طاقاتهم الفكرية والعضلية في التخريب من حيث لا يعلمون ولأن هذه الافكار لايمكن حجبها عن الشباب لان منع هذه الأفكار عن الشباب، يجعلهم اشد لهفة لمعرفتها وتداولها، إنما يكون الحل في تبصير الشباب ببطلان هذه الأفكار وخطورتها، فنحصنهم لان الوقاية خير من العلاج ..
اسباب التطرف الفكري
إن ظاهرة الغلو والتطرف الديني ليست وليدة الظروف الراهنة بل هي موجودة منذ القدم كما انها ليست مختصة بدين معين فكل الأديان عرفت طوائف تخرج عن الإجماع وتتهم المجتمع بالكفر والزندقة ومن ثم تخرج عليه وتنصب له العداء، وقد ظهر التطرف الديني فى أوروبا مما أستدعى تدخل الكنيسة للوقوف في وجهه، كما ان المجتمعات الإسلامية هي الأخرى لم تسلم من الظاهرة عبر التاريخ حيث تضرر المسلمون طويلا من الظاهرة، وكثرت الطوائف والفرق، وحكم البعض على الآخر بالردة والخروج عن الملة وتعال في الأفق تبادل الاتهامات بالردة والتبديع والتفسيق والتكفير، وقصد فهم الظاهرة الخطيرة التي باتت على وشك ان تتسرب الى مجتمعنا وتلوث عقول شبابنا والأسباب الكامنة وراء انتشارها والبحث عن حلول لاجتثاثها ومعالجتها نحاول هنا ذكر ابرز الأسباب التي قد تؤدي الى التطرف الفكري والتي يمكن ان نقسمها الى أسباب ذاتية وأخرى خارجية:
أولا الأسباب الذاتية:
1ـ الجهل : وهو مصدر كل الأخطاء، لان الجاهل لايحكم عقله بل يندفع وراء عاطفته، وقد يكون هذا الشخص غيورا على دينه وشديد الخوف من ربه لكنه جاهل ولا يدري انه جاهل على قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة .. وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
فالكثيرين ممن تأثروا بهذا الفكر ثقافتهم الدينية محدودة، أو لا علاقة لهم اصلا بدراسة العلوم الإسلامية ولا يحملون أي شهادات علمية في الميدان الديني!، وإن ظهر على هؤلاء تدين لان دافعهم هو الحرص على الالتزام بالدين، لكن الغيرة والعاطفة لا بد ان تضبط بضوابط الشريعة وعدم إلغاء العقل، لان كثرة العبادة ليست دليل على العلم ولا على ان الشخص معه الحق لقوله صلى الله عليه وسلم ”يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية“.
2ـ وجود بعض البدع و الخرافات و العادات والتقاليد، المخالفة لصميم الاسلام كالذبح لغير الله، ودعاء الأموات وتعليق التمائم والحجب وتصديق الكهان والعرافين " لقزانة " والتي يجهل الكثير من الناس انها مخالفة للدين وهذه امور كلها زادت من التطرف المضاد وبعد هؤلاء عن مجتمعهم وجعلتهم ينظرون الي انه مجتمع جاهلي خلاف ما تقتضيه الشريعة من النصح بصدق والتحذير من هذه المخالفات بالرفق واللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة :" ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن " لا بالتي هي اخشن.
3 : بروز مظاهر الانحلال والتفسخ في المجتمع بسبب التغيرات التي طرأت على البنية الاخلاقية وهو ما ينتج عنه تطرفا معاكسا بالغلو والتشدد وبالتالي الضياع في متاهات التطرّف الفكري.
4 ـ جرأة بعض الشباب على اطلاق احكام الحلال والحرام التي لايدون الاستناد الى دليل شرعي مخالفين لقوله تعالى:" وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ".
5ـ الظن وانتشار الإشاعة: عندما تنتشر الإشاعة في المجتمع، تصبح الساحة مسرحا لتبادل الاتهامات والظن السيئ بالناس مما يوسع الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الأفكار التكفيرية وإلغاء الآخر قال تعالى: " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ".. ويقول بعض السلف : (لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا )
6ـ الفساد الإداري وغياب العدالة :إذ تساهم تجاوزات بعض المسئولين وعدم العدل بين الناس، او التنقص من حقوقهم والتمييز بينهم يدون مبرر كل ذلك ينمي مظاهر السخط والتذمر ويؤدي إلى فقدان الثقة في السلطة ثم العمل في الاتجاه المضاد لتغيير هذا الواقع، وهنا يجد المبرر الكافي لركوب موجة التطرف والتكفير باسم الاصلاح والتغيير.
7: غياب الدولة عن مراقبة الأفكار الوافدة وتضييق الخناق عليها ومتابعة اصحابها، وقد سبق الحديث عن عدم إدارة المساجد وتوظيف اهل التخصص، وترك معظم المساجد في يد شباب غير مؤهلين بما فيه الكفاية لتوجيه المجتمع نحو الصالح العام، وتراجع التوجيه الديني الممنهج والمدروس بعناية، غياب رقابة مستمرة للتوجيه داخل المساجد وحلقات النقاش التي تثار فيها الافكار الشاذة والمتطرفة دون تاطير من ائمة مختصين مما يفسح المجال امام التأويلات الخاطئة للدين والفتاوى الشاذة والافكار المتطرفة.
8: غياب مرجعية علمية تقوم بالتوعية الدينية، أوعلماء يرجع اليهم في المسائل الشرعية، يبصرون الناس بالحق ويحذرونهم من الباطل، ويرسمون للنشء معالم وسطية الاسلام ويسره وسهولته، ويحفظونه من الانحراف والتأثر بالافكار الغريبة الوافدة .
رابعا : الحالة الاجتماعية التي يعيشها معظم الشباب من بطالة وعدم اكتراث الدولة لحالهم، وغياب سياسات ناجعة لاحتواء الشباب وتوفير الفضاءات المناسبة لاحتضانه وجعله يلعب دور إيجابي داخل المجتمع، وتوجيه طاقته الفائضة نحو أنشطة إبداعية وبناءة تهدف إلى تعزيز اندماجه في الحياة الاجتماعية والسياسية، وهو ما يفسر سرعة تقبل بعض الشباب لهذه الافكار، ولان العلم ضئيل يولد تلك الفتاوى المتشددة والغير متزنة.
9: التغرير : تحت ضغط الدافع الديني الذي ينطلق من حماس هؤلاء للدين والتعجل في تطبيق الشريعة الإسلامية، في ظل عالم يموج بالفتن والحروب والفساد المنتشر في كل بقاع الارض وابتعاد العالم عن شريعة السماء وهذا السبب دفعهم لتاؤيل ايات خلاف ما فهمها السلف الصالح في تكفير المجتمع مثل اية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) التي قال في تفسيرها ابن طاوس ليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وقال عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق كما رواه ابن جرير وعن ابن عباس قال ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فهل هم اعلم ام علماء السلف الصالح الذين كانوا احرص على تطبيق شريعة الرحمان، واكثر الذين تأثروا بهذا الفكر درسوا بدول الجوار خاصة الذين درسوا بالمعهد السعودي بموريتانيا حيث كان يحرض على العنف وتكفير الحكام وتجهيل المجتمعات تحت غطاء الجهاد، بشهادة من درسوا بالمعهد، كما يوجد من كان متأثرا بفكر الحركة الاسلامية المسلحة في فترة الثمانينيات والتسعينات، وكان الدافع الاكبر لامتطاء صهوة التطرف الفكري هو الحماس غير المؤسس على أسس الدين، والبعيد عن مقاصد الشرعة التي احسنت احكام كل شيء، فهؤلاء لا يدركون أولويات العمل الدعوي والمقاصد التي جاءت الشريعة لحفظها من حفظ الدين والنفس والعقل و العرض والمال والمصلحة التي اينما كانت فثم شرع الله، لكن من يفهم هذه المعاني وهو الذي شحن بالحقد ضد وطنه وشعبه.
هذه بعض الاسباب الذاتية التي يمكن ان تحمل على التطرف فيما تبقى الاسباب الخارجية التي نلخصها فيما يلي
الاسباب الخارجية
بعد ان تطرقنا لجملة من الاسباب الذاتية لبروز ظاهرة الغلو والتطرف الديني، نحاول هاهنا البحث في الاسباب والعوامل الخارجية التي ساهمت في ظهور الظاهرة ونذكر منها :
1ـ الدراسة بالخارج: فاكثر الذين تأثروا بهذا الفكر درسوا بالخارج خاصة الذين درسوا بالمعهد السعودي بموريتانيا قبل ان يتم غلقه بعد احداث الـ 11 سبتمبر ويمكننا ان نعتبر المعهد السعودي بموريتانيا هو المصدر الرئسي لتصدير التطرف والغلو الى عقول شبابنا، بالاضافة الى الاحتكاك المباشر بالجماعات الجهادية الاسلامية المتكونة من جنسيات متعددة والتي كانت تجند وتهيأ اثناء الدراسة بهذا المعهد.
2 ـ عنصرية الغرب تجاه المسلمين ومشاعر الكراهية ضدهم، والخوف منهم او ما يعرف بظاهرة "الإسلام وفوبيا"، وما انجر عن ذلك من تدنيس للرموز والمقدسات الإسلامية كحرق نسخ من "القرآن الكريم" والاستهزاء بالشعائر الدينية وتصويرها برسوم كاريكاتيرية.
3ـ بروز تيارات إسلامية على الساحة الدولية كتنظيم " القاعدة " و"جماعة الهجرة والتكفير" المنشقة عن جماعة الإخوان المسلمين وفروعه وخلاياه المنتشرة عبر مختلف أقطار العالم، و محاولته جلب الأنصار والاتباع بكل الوسائل الجذابة و"البراقة" ، والتي تعتمد على أسلوب الترغيب والترهيب، وقد تأثر الشباب به في كل انحاء العالم.
4 ـ تداخل الفقه الحنبلي الوافد بالمذهب المالكي : وهذ ما سبب الفوضى في الفتاوى، واختلاف الاراء والجدال حول المسائل الفقهية بسبب هذا التداخل بين الفقه الحنبلي و المالكي ووقوع الخلاف بسبب عدم الالمام بالفقه المقارن، ونقل انماط مختلفة لا تراعي خصوصيات المجتمع الصحراوي كفرض الجلباب بديل للملحفة، والمعروف ان الاصل هو توفر شروط اللباس الشرعي المتعارف عليه، بل إن الجلباب قد يكون لباس شهرة غريب على المجتمع ولباس الشهرة حذر منه الشرع .
5 ـ ثورة الاعلام والاتصال : والتي بدورها ساهمت في الترويج لهذا الفكر، خاصة ان معظم الحركات الاسلامية "الجهادية" تعتمد على الاعلام بشكل كبير للترويج لمنهجها وتجنيد الاتباع، دون ان ننسى الدور الكبير للمنشورات والكتب والمطويات واشرطة الفيديو وشبكة الانترنت كلها وسائل تنقل هذه الافكار وتقربها من الشباب، ومن امثلة الكتب التي كانت قد انتشرت بين شبابنا ولاتزال نسخ منها موجودة بين رفوف بعض المساجد كتاب "العلم" لابي محمد المقدسي ، "ملة ابراهيم" ، "التبيان في كفر من اعان الامريكان"، "الجهاد" ، "معالم في الطريق" وكلها كتب خطيرة تحرض وتعمق الفكر المتطرف في اوساط الشباب.
6 ـ التدخل الغربي في شؤون المسلمين و الاجتياح العسكري لبعض الدول الإسلامية من قبل القوى الغربية، والاستيلاء على موارد المسلمين، والعبث بحضاراتهم، مما ينمي السخط والكراهية للغرب والرغبة في الانتقام وهو ما يغذي التطرف.
7 ـ الاحتلال المغربي الذي يريد ربط الصحراويين بالإرهاب فقد ثبت تورطه في محاولة نشر هذه الأفكار وقد كشفت أسبوعية المحقق الجزائرية في عددها 113 الصادر يوم السبت 10 ماي 2008 ، عن محاولة النظام المغربي اغراء احد امراء الجماعة المسلحة بالجزائر "عبد الحق العيادة" في التأثير على عقول الطلبة الصحراويين في الجامعات الجزائرية وتجنيدهم في الجماعة الإسلامية لهذا التيار واستخدامهم في عملياته وبعد انتقالهم الى عاصمة الصحراء الغربية العيون المحتلة يتم اعتقالهم وتوجه لهم تهمة الانتماء الى جماعة إرهابية جزائرية ، وطلبوا منه ان يعترف بذلك في وسائل الاعلام ، ويصور الصحراويين وجبهة البوليساريو على انهم ارهابيون، لكن "العيادة" رفض الخطة المغربية حسب ما صرح به لوسائل الاعلام ، ولهذا تم تسليمه للجزائر. 
هذه جملة من الأسباب الرئيسة، التي ساهمت في ظهور بوادر تيار متطرف حاولنا كشفها نصحا لله ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم، وليس الغرض منها تشويه احد ولا تتبع عوراته، بقدر ما هي نصيحة عامة لأبناء هذا الشعب الغالي، من ان يتثبتوا حتى لا يقعوا في شراك الأعداء ويصبحوا معول هدم ضد مجتمعهم وبلدهم، فلا بد من تمحيص كل ما يفد من أفكار، فليس كلما يلمع ذهبا ولا كل مصقول الحديد يماني، ورغم هذا كله يبقى المجتمع الصحراوي ضحية للأفكار الغريبة والشرقية، الوافدة والعابرة لكل الخطوط الخضراء والحمراء من تجاذبات التكفير الذي ينمي الحقد والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، ويجرهم الى مستنقع الفتن، الى الأفكار الغربية الشاذة ومحاولات التنصير واضعاف الوازع الديني فيه وطمس هويته العربية والإسلامية، من خلال تشجع الانحلال الخلقي ونشر الفساد والرذيلة، وشذوذ المثلية والجندر، دون رقيب او حسيب.
وهنا لابد لكل واحد منا ان يقف مع نفسه وقفة تأمل ويسألها بصدق ماذا جنى المجتمع من هذه الأفكار سوى تشكيك الناس في دينهم، وتنفيرهم من السنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وجر المجتمع الى الطائفية والمذهبية المقيتة والله سبحانه وتعالى يقول :" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .."
ولتعترف جميعا ان التطرف هو ردت فعل صادمة على تطرف آخر، فالظلم والعنف لا يولدان إلا مثليهما , وسرعان ما يتحول الأمر إلى مواجهة مفتوحة لا نهاية لها، وما لم تتم معالجة الأسباب الكامنة وراء ظهور وانتشار الظاهرة التي تشكل أرضاً خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة داخل المجتمع والتي يزداد خطرها حين تنتقل من طور التفكير والاعتقاد إلى طور الممارسة والتطبيق, والذي يعبر عن نفسه بأشكال مادية من أعمال خطف وقتل واستخدام لوسائل الترهيب المادي المختلفة لتحقيق الأهداف والغايات التي يطمح لتحقيقها المتطرفون.
وهو ما يحتم علينا جميعا مراعاة المصلحة العليا واخذ العبرة ممن حولنا وما يحدث في دول الجوار من حصاد مر، وامور جسيمة يرفضها الشرع والعقل والفطر السليمة، فالخطر جسيم واليوم تنظير وتكفير، وغدا فتن وقتل و تفجير، هذه صيحة تحذير والعاقل من اعتبر بغيره والاحمق من اعتبر به غيره.
التطرف الفكري في ميزان الإسلام الغلو في الدين ظاهرة قديمة عرفتها جميع الأمم السابقة، وقد كانت سببا لهلاك بعضها كما قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)
والغلو والتطرف عكس الوسطية والاعتدال قال تعالى {{ وكذلك جعلناكم أمة وسطًا}} وقال تعالي : (وكذلك جعلنا كم أمة وسطا).
قال الإمام ابن الجوزى رحمه الله في تفسيره لهذه الآية : ( وأصل ذلك أن خير الأشياء أوسطها ، والغلو والتقصير مذموما ، وذكر ابن جبر الطبري أنه من التوسط في الفعل ، فإن المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود ، فإنهم قتلوا الأنبياء وبدلوا كتاب الله ، ولم يغلوا كالنصارى ، فإنهم زعموا أن عيسى ابن الله)
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين "
ولان ديننا الحنيف هو دين العدل والإحسان والهداية لجميع البشرية فقد حذرنا من الغلو في الدين ورسم لنا الطريق واضحا، للفلاح في الدارين وفق منهج رباني يوازن بين الروح والجسد ويعطي لكل ذي حق حقه، ويراعي كافة مجالات الحياة ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ))،
والمتتبع للتوجيه الديني في الإسلام سواء كان في القرآن الكريم او السنة النبوية او حتى الآثار وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم يجدها دومًا تحث على الاعتدال والتحذير من التشدد والتنطع في الدين، والأحاديث النبوية التي تأمر بالاعتدال والوسطية وتحذر من الغلو والتطرف كثيرة ومتواترة يقول صلى الله عليه وسلم "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" رواه أحمد
وجاءت النصوص القرآنية توضح ذلك بجلاء قال تعالى : (قل يا أهل لكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل)
بل إن الإسلام تجاوز التحذير من الظاهرة لاتباعه لينكر مظاهر التطرف والتشدد في السلوك والعبادة على أتباع بعض الديانات الاخرى وقد انتقد القرآن الكريم أولئك الذين شدّدوا على أنفسهم في بعض العبادات، بقوله: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).
وبالرغم من محاولة الغرب وبعض العلمانيين والمعادين للإسلام ربط التطرف بديننا، من خلال الإعلام الموجه والذي يربط الإسلام والمسلمين بالإرهاب ويروج لذلك، إلا أن الإسلام حذّر أكثر من غيره من التطرف والغلو، ونتائجه الوخيمة على الفرد والمجتمع.
كما جاءت الأحاديث النبوية محذرة من الغلو والتشدد: كقوله صلي الله علية وسلم: (هلك المتنطعون ) قالها ثلاثا .
وروى البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله علية وسلم يسألون عن عبادة النبي صلي الله علية وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا : أين نحن من النبي صلي الله علية وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر !.
قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا .
وقال الأخر : وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر .
وقال الأخر : وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا !!.
فجاء رسول الله صلي الله علية وسلم إليهم فقال : ( أنتم الذين قتلهم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فلي منى )
وفي حديث أبي هريرة: « لَنْ يُنَجِّي أَحَدًا عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا".
وقوله " ما شاد الدين احد إلا غلبه "
وقوله صلى الله عليه وسلم :"من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا“ ، وقد حذر صلى الله عليه وسلم من كل دواعي التكفير والخروج عن جماعة المسلمين (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) وفي قوله عليه السلام (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقوله (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما).
وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند البخاري وغيره: أنه قتل رجلا شهر عليه السيف فقال: (لا إله إلا الله) فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار، وقال: أقتلته بعدما قال: (لا إله إلا الله)؟ فقال: إنما قالها تعوذا من السيف؟ فقال: هلا شققت عن قلبه؟! وفي بعض الروايات: كيف لك بـ (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ وأين نحن من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) وتحذيره عليه الصلاة والسلام من الخروج على حكام المسلمين وأئمتهم بقوله "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان"، وعندما سأله الصحابة عن الذين يأتون في آخر الزمان ويسيئون في أعمالهم وفي تصرفاتهم ويظلمون الناس قالوا أفلا ننابذهم يا رسول الله؟ قال {لا ما أقاموا فيكم الصلاة} لما في الخروج علي جماعة المسلمين من مفاسد عظيمة وتشتيت المسلمين وإضعاف قوتهم في الخلافات والانشقاقات ولا يمكن أن نورد كل النصوص الشرعية الواردة في التحذير من ظاهرة الغلو في الدين، في سطور وإنما يمكن الرجوع إلى العلماء الذين اشبعوا المسألة بحثا وكفونا مشقة البحث امتثالا لقول ربنا عز وجل { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
ــــــــ
إعداد: حمة المهدي
14‏/07‏/2010

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...