تمر القضايا العادلة، مهما بلغت قوة مشروعيتها وعدالة أهدافها، بمحطات دقيقة واختبارات صعبة تتطلب من أبنائها ومناضليها وقادتها قدراً عالياً من الحكمة والبصيرة والشجاعة. وقضيتنا الوطنية الصحراوية وهي تواجه اليوم تحديات متسارعة ومخاطر متشابكة ومؤامرات لا تخفى على أحد ، أحوج ما تكون إلى استنهاض طاقات الجميع وتوحيد الجهود وتغليب المصلحة الوطنية العليا على كل الاعتبارات الأخرى.
إن المرحلة الراهنة تفرض علينا جميعاً، مناضلين وكوادر وقيادات، أن نتحلى بالشجاعة الأدبية والسياسية اللازمة لتحمل مسؤولياتنا التاريخية كل من موقعه ، وأن ندرك أن حجم التحديات التي تواجه مشروعنا الوطني أكبر من أن تُختزل في تحميل المسؤولية لشخص بعينه أو جهة بعينها. فالمسؤولية في الأوقات الاستثنائية مسؤولية جماعية، والنجاح كما الإخفاق لا يصنعه فرد واحد، بل تتقاسمه منظومة كاملة من الجهود والقرارات والمواقف . وخاصة في لحظات التحول والمنعطفات التاريخية ، أين تزداد الحاجة إلى القراءة الهادئة والمتزنة للواقع، بعيداً عن الأحكام المتسرعة أو اختزال المسؤوليات في شخص أو هيئة بحد ذاتها . ولعل من الإنصاف ونحن نتأمل في التحديات التي تواجه مسيرتنا الوطنية اليوم أن ننتبه إلى خطورة تحميل شخص بعينه او هيئة لوحدها مسؤولية ما نواجهه اليوم من تحديات ، وكأن المرحلة بكل تعقيداتها وتراكماتها وانشغالاتها بدأت مع السنوات الأخيرة الماضية فقط .
وبهذا الخصوص أظن بان غالبيتنا كمناضلين وكإطارات ندرك بأن معظم ما نعيشه اليوم من انشغالات هو بطبيعة الحال حصيلة تراكمات طويلة ساهم فيها غالبيتنا بصورة أو بأخرى في مراحل سابقة من مسيرتنا النضالية .
وبالتالي فمن المؤسف جدا ما نسمعه ونتابعه ونلاحظه هذه الأيام من اتهامات ومحاولة إلقاء المسؤولية على الآخرين . حيث أصبح من المألوف أن نسمع أصواتاً ترتفع هنا وهناك محملة هذا الطرف أو ذاك مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع ، تنتقد ممارسات وأخطاء الاخرين ، وتجعل من نفسها قاض يصدر الأحكام في حقهم متى شاء ، وهي ترفض مطالبة نفسها بذلك . وكأنها تريد أن تقدم نفسها لشعب يعرفها جيدا في صورة الملاك ، أوالمتفرج البريء الذي لم يكن جزءاً من التجربة ولم يتحمل يوماً مسؤولية قرار أو موقف أو تقصير. والحقيقة التي ندركها جميعا ، ويعي بها كل واحد منا في قرارة نفسه أن غالبية تلك الأصوات كانت جزءاً من المسؤولية أو شاهداً عليها ، أو مؤثراً فيها بشكل أو بآخر وبدرجات متفاوتة بطبيعة الحال .
لا يمكن أن نختلف على إن النقد ضرورة ، بل هو واجب وطني، لكن النقد الذي لا يبدأ من الذات يتحول إلى مجرد اتهام. والمراجعة التي تستثني أصحابها من المسؤولية تفقد قيمتها الأخلاقية والسياسية. والشجاعة الحقيقية ليست في كشف أخطاء الآخرين فقط، بل في الاعتراف بأخطائنا نحن أيضاً.
وعليه فليس من الانصاف ولا من العدل أن نحاسب الحاضر بمعايير لم نطبقها على الماضي الذي كان غالبيتنا جزءاً منه. وليس من الحكمة والبصيرة أن ينشغل البعض منا اليوم بخلافات جانبية أو حسابات ضيقة أو سجالات لا تجدي نفعا ، في وقت تواجه فيه قضيتنا الوطنية تحديات غير مسبوقة على مختلف المستويات. وكأن الخطر الذي يهددنا ليس ما يحاك ضد شعبنا وحقوقه وقضيته العادلة ، بل اختلافاتنا نحن حول التفاصيل التافهة للغاية . وهو ما يراهن عليه الأعداء في هذا المرحلة الحساسة .
وبالتالي فإننا نعتقد بان اللحظة تستدعي منا جميعا قدراً أكبر من التواضع ، والشجاعة النقدية والسياسية والأخلاقية وروح المسؤولية ، للنظر إلى المسؤولية باعتبارها مسؤولية جماعية ، والإيمان بأن تصحيح المسار لا يبدأ بإدانة أو لوم شخص بحد ذاته ، وإنما يبدأ حين يقرر كل واحد منا أن يؤدي مهمته بأفضل ما يستطيع ، وأن يتحمل نصيبه من المسؤولية، وأن يترك أثراً إيجابياً في الموقع الذي اؤتمن عليه. وبان الإنصاف الحقيقي هو أن نضع كل مسؤول أمام مسؤوليته، ، ثم نقيس أداء الجميع بالنتائج وبالقدرة على خدمة القضية الوطنية والدفاع عن مكتسباتها . مع التأكيد على أن المسؤولية الجماعية لا تعني تمييع المسؤوليات أو إعفاء أحد من المساءلة ، بل تعني العكس تماماً : أن يعرف كل واحد منا حدود مسؤوليته ، وأن يتحمل نتائج ما يقع ضمن اختصاصه، وأن تكون المحاسبة عادلة وموضوعية، لا انتقائية ولا مرتبطة بشخص بعينه ، او هيئة دون غيرها .
إن شعبنا الذي قدم على مدى عقود طويلة قوافل من الشهداء والجرحى والأسرى، وتحمل اللجوء والحرب والمعاناة من أجل هدف نبيل هو الحرية والاستقلال ، يستحق منا اليوم أن نكون على مستوى هذه التضحيات ، وأن نرتقي بخطابنا وسلوكنا ومواقفنا إلى مستوى التحديات التي تواجه مشروعنا الوطني . وأن نوجه طاقاتنا نحو الأسئلة الأكثر أهمية وإلحاحاً : كيف نحمي وحدتنا الوطنية ؟ كيف نعزز صمود شعبنا ؟ كيف نطور أداء مؤسساتنا ؟ كيف نحصن جبهتنا الداخلية ؟ وكيف نواجه المخططات التي تستهدف حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير والاستقلال؟
إنه بحاجة إلى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة الكافية للنظر في المرآة أولاً، قبل توجيه أصابع الاتهام إلى غيرهم . بحاجة إلى من يسأل نفسه: ماذا قدمت ؟ وما الذي كان يمكن أن أقدمه ولم أقدمه؟ وما الدور الذي يجب أن أؤديه اليوم لخدمة قضيتي وشعبي؟
إن ما يجمعنا كصحراويين مناضلين في الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب أكبر بكثير من أي اختلاف عابر، وأعمق من أي تباين في الرؤى أو الأساليب. يجمعنا تاريخ مشترك من الكفاح والتضحيات، ووفاء راسخ لدماء الشهداء وآمال وتطلعات الأجيال القادمة.
ولهذا فإن المرحلة الراهنة تقتضي منا جميعا التحلي بأعلى درجات المسؤولية والوعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يزرع الفرقة أو يضعف الثقة أو يشتت الانتباه عن الأولويات الحقيقية. كما تقتضي أن يتحول النقد إلى أداة للبناء والإصلاح ، وأن يتحول الاختلاف إلى مصدر قوة ، والمخاوف المشروعة إلى خطط عمل ومبادرات عملية تسهم في حماية مشروعنا الوطني وتعزيز فرص نجاحه.
فلنكن جميعاً على قدر هذه اللحظة التاريخية ، ولنجعل من الصراحة والنقد وسيلة وطريق للبناء لا للهدم والتشويه ، ومن الاختلاف فرصة للتكامل لا للتناحر . ولنجعل من اختلاف وجهات النظر والنقاش الصادق والنقد البناء مصدر قوة وإثراء ، لا سبباً للتنافر والانقسام ، ولنتذكر دائماً أن أكبر خدمة يمكن أن نقدمها لقضيتنا الوطنية اليوم هي أن نتوحد حول هدفنا المشترك ، وأن نتحمل مسؤولياتنا معا بشجاعة وصدق ، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
فالتحديات كبيرة ، نعم . والمخاطر حقيقية ، نعم . لكن إرادة الشعوب التواقة للحرية كانت دائماً أقوى من المؤامرات ، وأبقى من الأزمات ، وأقدر على صناعة المستقبل مهما اشتدت العواصف.
قضيتنا ستظل قوية ما دمنا موحدين، وسيظل أملنا مشروعاً ما دمنا متمسكين بحقنا، وستبقى الحرية والاستقلال هدفاً قابلاً للتحقيق ما دمنا نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات بروح المسؤولية الجماعية والإيمان الراسخ بعدالة قضيتنا.
فلنتذكر جميعاً أن التاريخ لن يسألنا من انتقد أكثر، ولا من تحدث أكثر، ولا من ألقى اللوم على غيره أكثر. بل سيسألنا ماذا فعلنا حين كانت قضيتنا بحاجة إلينا ؟ وكيف تصرفنا حين كانت التحديات تتعاظم ؟ وهل اخترنا طريق الوحدة والمسؤولية أم طريق الانقسام والمزايدات ؟ هل قمنا كل من موقعه بما يمليه علينا الواجب الوطني ؟ وهل تحملنا معا مسؤولياتنا كما ينبغي؟ وهل قدمنا لقضيتنا من الجهد والتضحية بقدر ما قدمناه من النقد والشكوى ؟ .
ولنوحد جهودنا وطاقاتنا حول سؤال جوهري واحد: كيف نحمي قضيتنا الوطنية ونقوي جبهتنا الداخلية ونفشل المؤامرات التي تستهدف شعبنا ومشروعنا التحرري؟
والإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي فقط التي قد تكون البداية الحقيقية لأي مراجعة أو إصلاح . ولأي أمل في مستقبل أكثر قوة وصلابة لقضيتنا الوطنية العادلة.
لنا ما نقوله في مواضيع قادمة بحول الله فيما يتعلق بحاجتنا للجميع (جيل التأسيس والجيل الثاني للثورة والاجيال الجديدة ) في هذه المرحلة الحساسة جدا من مقاومتنا الوطنية ، وحاجتنا للزعامة الثورية ، وما يجب أن يشكل أولوية ضمن نقاشاتنا في خضم العملية التحضيرية للمؤتمر السابع عشر بحول الله .
بقلم المناضل / موسى سلمى لعبيد
