مع اقتراب المؤتمر السابع عشر لتنظيمنا الوطني الثوري، تتعالى الأصوات الصادقة، وتكثر النداءات والنصائح التي تخاطب القيادة الوطنية، لا من باب الخصومة أو التشهير، وإنما من منطلق الغيرة على الوطن والخوف على مصير شعبٍ قدّم من التضحيات ما يجعل المسؤولية أمانةً ثقيلة لا وجاهةً ولا امتيازاً.
ومن بين هذه الأصوات، يبرز نداء الشيخ الجليل المامي أخليل، القادم من محراب الإيمان والضمير، مخاطباً أعضاء القيادة الوطنية بنداء أخلاقي عميق: إن التضحية من أجل المصالح العليا للشعوب لا تكون بالنفس والمال وحدهما، بل قد تكون أيضاً بالتضحية بالجاه والسلطان والموقع.
وما أصدق قول الله تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
فهل هناك، بالنسبة لمن اعتاد موقع المسؤولية، تضحية أكبر من أن يتنازل طواعية عن منصبٍ أو جاهٍ أو سلطة، إيثاراً للمصلحة العامة وفتحاً للمجال أمام كفاءات جديدة؟
إن الشيخ المامي أخليل لا يطالب بإقصاء أحد، ولا ينكر فضل من خدموا القضية، ولكنه يذكّر بحقيقة بسيطة وعظيمة: أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً، وأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الأمانة تقتضي أحياناً أن يعرف الإنسان متى يتقدم، ومتى يفسح المجال لغيره.
وقد قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾.
فإذا كانت المسؤوليات أمانات، فإن من أسمى صور أدائها أن توضع في أيدي من يستطيعون حملها، وأن لا تتحول المواقع إلى ملكية دائمة أو حق مكتسب.
لقد عرف التاريخ قادةً اختاروا مغادرة السلطة وهم قادرون على البقاء فيها، لأنهم أدركوا أن عظمة المسؤول ليست في طول بقائه، وإنما في قدرته على تقديم مصلحة شعبه على نفسه. والتجديد ليس تنكراً للماضي، بل وفاءٌ له واستمرارٌ لمعناه.
وفي زمن يقترب فيه المؤتمر السابع عشر، ويواجه شعبنا تحديات مصيرية غير مسبوقة، يصبح نداء الشيخ المامي أخليل جديراً بالإنصات والتأمل والتجاوب. فالمرحلة لا تحتاج إلى صراع على المواقع، بل إلى رجال ونساء يضعون الوطن فوق كل اعتبار.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فلعل أعظم ما يمكن أن تقدمه القيادة اليوم لشعبها هو أن تجعل من المؤتمر القادم محطةً حقيقيةً للمراجعة والتجديد وتحمل المسؤولية، وأن يملك من يرى في نفسه أنه أدى ما عليه شجاعة التنحي، كما يملك غيره شجاعة التقدم لتحمل الأمانة.
إنها دعوة من محراب الإيمان إلى محراب المسؤولية: إما أن تتحملوا كامل مسؤولياتكم التاريخية أمام مصير الشعب الصحراوي، وإما أن تفسحوا المجال لمن يستطيع حمل الأمانة.
فالأشخاص يرحلون، والمناصب تتغير، أما الوطن والقضية والشعب، فتبقى أمانة في أعناق الجميع.
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
والله من وراء القصد.
سلامة مولود اباعلي
