في سنة 1976، ارتقى الشهيد الولي مصطفى السيد، مفجر الثورة الصحراوية، وهو في ريعان شبابه، بعدما وضع اللبنات الأولى لمشروع التحرر الوطني الصحراوي، وحوّل الفكرة من حلم يختزن في صدور القلة إلى مشروع ثوري يمتلك التنظيم والوعي والإرادة.
وبعد خمسين عاماً، وفي سنة 2026، يرتقي شاب صحراوي آخر في ساحات المعركة.
إنه لحبيب محمد عبد العزيز.
وبين الرجلين نصف قرن من التاريخ، لكن الفكرة واحدة، والراية واحدة، والطريق واحد: أن يتحول الانتماء إلى فعل، والإيمان بالقضية إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى تضحية.
ولد لحبيب محمد عبد العزيز سنة 1989 في مخيمات العزة والكرامة، وتلقى تعليمه الأساسي وحفظ كتاب الله، ثم واصل دراسته الجامعية في الجزائر، ليحصل على شهادة الإجازة في العلاقات الدولية.
كان بإمكانه أن يختار طريقاً أكاديمياً ومدنياً، لكنه اختار، بعد استكمال دراسته، الالتحاق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي في نوفمبر 2011، وهو في الثانية والعشرين من عمره.
لم يكن التعليم بالنسبة إلى لحبيب بديلاً عن التحرير، ولم تكن الشهادة الجامعية نهاية الطريق؛ بل تحولت المعرفة إلى وسيلة لخدمة المشروع الوطني، وتحول الشباب إلى طاقة فعلية في الميدان.
وهذه بالضبط إحدى السمات التي طبعت تجربة مفجر الثورة الصحراوية الولي مصطفى السيد؛ فقد كان شاباً متعلماً، جمع بين الفكر والعمل والتنظيم، وبرز مبكراً في صفوف الحركة الوطنية، قبل أن يصبح قائداً لمشروع الثورة الصحراوية.
وتؤكد الكتابات التي تناولت إرث الشهيد الولي أن قوته لم تكن في حمل السلاح وحده، بل في قدرته على الجمع بين الوعي والتنظيم والعمل، وتحويل الفكرة إلى قوة سياسية واجتماعية وميدانية.
ولهذا فإن استشهاد لحبيب محمد عبد العزيز في هذه اللحظة التاريخية يبدو، في الذاكرة الصحراوية، أكثر من واقعة عسكرية، إنه استمرار لسلسلة الأجيال.
الجيل الذي أسس الثورة.
ثم الجيل الذي حمل مسؤولية التحرير وبناء الدولة.
ثم الجيل الذي تربى في مدارس الثورة ومؤسساتها.
ثم جيل جديد يعود إلى الميدان حاملاً ما تعلمه من أولئك الذين سبقوه.
وهنا تستعيد كلمات نيلسون مانديلا معناها التحرري العابر للحدود، حين قال إن الشباب قادرون، عندما يتحركون، على إسقاط أبراج القهر ورفع رايات الحرية.
لقد كان لحبيب واحداً من أولئك الشباب.
لم ينتظر أن تصبح المعركة تاريخاً حتى يكتب عنها، بل دخل التاريخ من بوابة المشاركة فيها... وصدق فيه قول الشهيد الولي مصطفى السيد : "إذا أرادت القدرة الخلود للإنسان سخرته لخدمة الجماهير ".
