في نظام المخزن، الفضائح لا تأتي فرادى. إنها لا تسقط من السماء فجأة، ولا هي أخطاءٌ معزولة يرتكبها موظفٌ طائش أو جهازٌ خرج عن التعليمات. إنها ثمرة مدرسة كاملة في الحكم؛ مدرسة تقوم على التجسس بدل السياسة، والابتزاز بدل الحوار، والملفات بدل الحجة، والاختراق بدل المواجهة الشريفة، وتصفيـة الخصوم حين تعجز السلطة عن إسكاتهم.
إنه نظامٌ جعل من الأجهزة دولةً داخل الدولة، ومن المواطن مشتبهاً فيه حتى يثبت ولاؤه، ومن المعارض عدواً ينبغي مراقبته ومحاصرته وتشويه سمعته، وإن اقتضى الأمر... التخلص منه.
ولذلك، لا ينبغي أن نستغرب عندما تظهر فضيحة جديدة، أو تتسرب قوائم، أو تنكشف شبكات، أو تحوم شبهات حول اختراق هواتف الصحفيين والسياسيين والنشطاء. فالمفاجأة ليست في أن ينكشف المخزن، المفاجأة الحقيقية هي أن هناك من لا يزال يتفاجأ!
من قمة الدار البيضاء... إلى «بيغاسوس»
لنعد إلى إحدى أكثر الصفحات سواداً في تاريخ هذا النظام.
في سنة 1965، احتضن المغرب اجتماعاً عربياً بالغ الحساسية، شارك فيه مسؤولون عسكريون وقادة جيوش وهيئات أركان عربية. وبعد سنوات، ظهرت روايات وشهادات إسرائيلية تقول إن أجهزة الاحتلال حصلت على تسجيلات سرية لمداولات ذلك الاجتماع، تضمنت معلومات عن أوضاع وقدرات الجيوش العربية. وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية وعربية شهادات مسؤولين استخباراتيين إسرائيليين سابقين حول هذه الواقعة.
هنا لا نتحدث عن خلاف سياسي عابر، بل عن سؤال تاريخي ثقيل: كيف تصبح أرضٌ عربية، يفترض أنها تستضيف اجتماعاً عربياً سرياً، مصدراً يمكن أن تتسرب منه أسرار العرب إلى عدوهم؟
وهنا تظهر طبيعة المأساة المخزنية: نظامٌ يرفع شعارات السيادة، بينما تتحول أسرار الآخرين إلى مادةٍ في سوق الاستخبارات.
ثم جاء الزمن ليغير الأدوات، لا العقيدة.
فبعد أجهزة التنصت البدائية، والميكروفونات المخفية، وعيون المخابرات في الأزقة والفنادق، دخل المخزن العصر الرقمي، حاملاً معه العقلية نفسها: راقب، اخترق، اسمع، سجّل، اجمع الملفات... ثم استعملها عندما يحين الوقت.
وجاءت قضية «بيغاسوس» لتفتح نافذة واسعة على هذا العالم المظلم. فقد وثقت تحقيقات دولية ومنظمات حقوقية استخدام برنامج التجسس الذي طورته شركة إسرائيلية ضد صحفيين ونشطاء، وأشارت التحقيقات إلى المغرب باعتباره أحد العملاء المحتملين للنظام، فيما تحدثت تحقيقات أخرى عن استهداف صحفيين مغاربة وأجانب. وظل المغرب ينفي هذه الاتهامات.
لكن بعيداً عن لغة النفي والردود الرسمية، فإن الصورة السياسية تبقى فاضحة: نظامٌ لا يثق في شعبه، لا يجد حرجاً في شراء أدوات تجسس متطورة لمراقبة الصحفيين والخصوم والنشطاء.
وكأن المخزن قال لنفسه: لماذا نناقش المعارض، ما دام بالإمكان اختراق هاتفه؟ لماذا نواجه الصحفي بالحقيقة، ما دام بالإمكان مراقبته؟ ولماذا نرد على النقد بالحجة، ما دام يمكن البحث في حياته الخاصة عن أي شيء يصلح للتشهير والابتزاز؟
هذه ليست دولةً قوية.
هذه سلطة خائفة.
من المهدي بن بركة إلى معارضي اليوم
لكن «بيغاسوس» ليس بداية القصة. قبل الهواتف الذكية بزمن طويل، كان هناك من دفع حياته ثمناً لمعارضة المخزن.
وكان المهدي بن بركة واحداً من أبرز هؤلاء.
اختُطف الرجل في باريس سنة 1965 في ظروف دولية معقدة، واختفى جسده وبقيت قضيته مفتوحة في الذاكرة السياسية والتاريخية. وقد ظلت قضية اختفائه رمزاً للصفحات السوداء في تاريخ تصفية الخصوم السياسيين، وتقاطعت حولها، على مدى عقود، روايات تتحدث عن أدوار لأجهزة مغربية وأطراف أجنبية وشبكات استخباراتية.
والدرس هنا أكبر من ملف فردي، مهما كان حجم الرجل ومكانته.
إنها رسالة مدرسة كاملة: عندما يصبح الخصم السياسي خطراً على السلطة، قد يتحول الخلاف معه من خلاف سياسي إلى ملف أمني؛ ومن ملف أمني إلى مطاردة؛ ومن المطاردة إلى الاختفاء.
هكذا تُدار السياسة في عقل المخزن.
لا بالبرامج.
لا بالأفكار.
لا بالاحتكام إلى الشعب.
بل بالملفات والأقبية والخوف.
الطامة الكبرى: مخزنٌ يتجسس... بالوكالة عن الآخرين!
لكن الطامة ليست فقط في أن المخزن يتجسس.
الطامة الكبرى أنه، في كثير من المحطات، يبدو وكأنه يتقن أداء دور الوكيل أكثر من دور الدولة المستقلة.
فما معنى أن تتردد الروايات حول تسريب أسرار قادة وجيوش عربية إلى إسرائيل؟ وما معنى أن تتحول تقنيات التجسس الإسرائيلية إلى أدوات في يد أجهزة تلاحق بها صحفيين ومعارضين؟ وما معنى أن يصبح التعاون الأمني مع دولة الاحتلال أكثر حيوية من حماية خصوصية المواطنين وكرامتهم؟
هنا يصبح الأمر أكثر من مجرد فضيحة أمنية.
إنه انحراف في مفهوم الأمن نفسه.
لأن أمن الوطن شيء، وأمن النظام شيء آخر.
والوطن لا يصبح آمناً عندما تُراقَب هواتف الصحفيين، ولا عندما يُلاحَق النشطاء، ولا عندما تُجمع الملفات عن الخصوم. أما السلطة، فقد تشعر بالأمان عندما تعرف ما يقوله الناس في غرفهم المغلقة.
وهذا هو الفرق.
المخزن يخلط عمداً بين الوطن والنظام، حتى يصبح الدفاع عن السلطة دفاعاً عن الدولة، ويصبح نقد الحاكم خيانة، وتتحول المطالبة بالحقيقة إلى «مؤامرة».
لكن الحقيقة تقول إن النظام الذي يخشى كلمة صحفي، أو منشور ناشط، أو رأي معارض، ليس بحاجة إلى مزيد من الجواسيس.
إنه بحاجة إلى مزيد من الشرعية.
من الأمس إلى اليوم... تتغير الوسائل ويبقى الأسلوب
في الأمس: تسجيلات سرية.
ثم: ملاحقات وملفات.
ثم: اختفاءات وتصفية حسابات سياسية.
واليوم: اختراقات وهواتف وبرامج تجسس.
وغداً؟ الله وحده يعلم ما الذي يمكن أن تفعله سلطة لا تعترف بحدودٍ واضحة بين أمن الدولة وخصوصية الإنسان.
هذه هي حقيقة المخزن التي تكشفها الفضائح المتلاحقة: العقلية واحدة، وإن تغيرت الأدوات.
عقلية تستعير من مدارس القمع والتجسس ما يناسبها، وتشتري التكنولوجيا الأكثر تطوراً، وتستفيد من الخبرات الأجنبية، ثم توظف كل ذلك ليس لصناعة مجتمع قوي، بل لصناعة مجتمع خائف.
إن المخزن يريد أن يعرف كل شيء عن الجميع، لكن لا أحد يجب أن يعرف شيئاً عنه.
يريد هاتف المواطن مفتوحاً لأجهزته، لكن ملفات أجهزته محاطة بجدران السرية.
يريد من الناس أن يثقوا به، بينما هو لا يثق في أحد.
والأخطر من كل ذلك أنه، حين تتكشف بعض الأسرار، لا يسارع إلى التحقيق والمحاسبة، بل إلى الإنكار والتشكيك واتهام الآخرين.
وهكذا تتكرر الفضائح.
وتتوالد الشبهات.
ويزداد الغطاء سماكةً... لكن الرائحة تزداد انتشاراً.
في نظام المخزن، الفضائح لا تأتي فرادى، لأنها ليست أحداثاً منفصلة. إنها أبناء المنظومة نفسها.
من قمةٍ عربية تُثار حولها روايات تسريب الأسرار إلى إسرائيل، إلى قصة المهدي بن بركة التي بقيت جرحاً مفتوحاً في تاريخ تصفية الخصوم، إلى عصر «بيغاسوس» وأدوات التجسس الإسرائيلية التي ارتبط اسمها باستهداف الصحفيين والنشطاء وحتى رؤساء دول ذات سيادة...
تتغير الوجوه، تتغير التكنولوجيا، وتتغير الأسماء... لكن يبقى المخزن وفياً لعقيدته: راقب خصمك، اجمع ملفاته، أخفه أو اسكته، ثم أنكر كل شيء.
والطامة الكبرى؟
أن كل هذه القذارة لا تُمارس دائماً من أجل وطنٍ أو شعب، بل كثيراً ما تبدو وكأنها خدمةٌ بالوكالة لحساب تحالفات وأجهزة ومصالح خارجية، وفي مقدمتها إسرائيل، بينما يُطلب من الشعوب أن تصدق أن كل ذلك يجري باسم الأمن والسيادة!
أي سيادةٍ هذه، حين تُستورد أدوات التجسس من الاحتلال لمراقبة أبناء البلد؟
وأي وطنيةٍ هذه، حين تصبح أسرار الآخرين أوراقاً في لعبة المخابرات؟
وأي أمنٍ هذا، حين يخاف النظام من شعبه أكثر مما يخاف الشعب من أعدائه؟
في نظام المخزن...
الفضائح لا تأتي فرادى.
لأنها، ببساطة، ليست فضائح منفصلة... بل نظام كامل يعيش على الأسرار، ويخاف من الحقيقة.
سلامة مولود اباعلي
