لفتتني هذه الصورة التي تداولها إعلام الاحتلال المغربي لهلاك أحد مسؤلي جيشه برتبة عريف، في قطاع المحبس المحتل (الصورة)؛ واللافت هنا أكثر لم يكن خبر الوفاة بحد ذاته، وإنما الرواية التي رافقت الخبر (وفاة بسبب أزمة قلبية).
ضابط أو عريف أو أيا كانت الرتبة في جيش الاحتلال، كان بجبهات القتال، ثم حين يموت، لا يُقال أين كان، ولا ماذا حدث له، ولا كيف انتهت حياته؛ بل أن كل ما يقدم حول ذلك هو رواية مقتضبة تغلق الباب أمام الأسئلة، مع أننا نعلم جيدا سبب الوفاة.
وهنا لا نورد قصة هذا العريف الهالك في صفوف جيش الاحتلال لنتوقف عندها، بل لنتوقف عند الفرق الكبير، بيننا وبينهم، في التعامل مع المعلومة، خاصة في زمن الحرب.
هم يملكون مؤسسات إعلامية وأمنية وعسكرية تعرف جيدا -طوعاً أو كرهاً- ماذا تقول وماذا تخفي ومتى تعلن، ومتى تصمت، وكيف تصوغ رواية خسائرها بما يحمي ما تريد أن تحميه، وبالتالي تمنع عدوها من الحصول على أي معلومة.
وفي المقابل، نفعل نحن العكس تماما، وهذه هي مشكلتنا، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي؛ فما إن يسقط شهيد حتى يبدأ السباق المحموم في النشر، ننشر كل شيء وبأدق التفاصيل، الاسم، التاريخ، المكان، المرافقين، كيف وقع الاستهداف، وما الذي حدث قبله، وما نوع السلاح، وما تفاصيل المكان والزمان… وكل ذلك معزز بصور ثابتة ومتحركة، للأسف.
والسؤال الذي يجب طرحه في هذا المقام بوضوح، هو، لماذا لا نرى من العدو المحتل في هذه الحرب غير التكتم على خسائره، بينما نكشف نحن كل ما يتعلق بخسائرنا؟
يجب أن نعلم أنه في زمن الحرب، هناك من يتابع منشوراتنا ليس بدافع الفضول؛ بل يتابعها للبحث عن أي معلومة، قد تسقط منا سهوا، أو لاعتقادنا أنها قد تكون مجرد تفصيل عابر، بينما تكون بالنسبة للعدو قطعة في صورة أكبر.
وعليه، يجب ألا نتحول في أحاديثنا الشفهية أو منصاتنا الاعلامية إلى "غرف عمليات"، وألا نضطر لإثبات أننا نعرف أكثر من غيرنا؛ وكذلك يجب أن نعلم أن السبق والتسابق في نشر أسماء الشهداء وتفاصيل استشهادهم لا يعد بطولة، بل على العكس تماماً.
وكذلك وجب العلم، خاصة في زمن الحرب، أن ليست كل حقيقة يجب أن تُذاع فورا، وليست كل معلومة وإن كانت صحيحة صالحة للنشر؛ بل إن بعض التفاصيل التي ننشرها بحسن نية قد تكون أخطر من الكذبة؛ لأنها حقيقة في المكان والوقت الخطأ.
وفي الحرب كذلك، الكلمة ليست مجرد كلمة، والنشر ليس مجرد ضغطة زر؛ وأحيانًا، قد يكون أخطر ما تفعله وأنت تظن أنك توثق الحقيقة، هو أن تكشف ما كان يجب أن يبقى مستورا، أو على الأقل انتظر حتى يتم إيذاعه من طرف الجهات الرسمية المختصة.
أخيرا وليس آخرا، يجب أن نعلم جميعا، أن اسم الشهيد هو حق من حقوقه وحقوق أهله، ومكان سقوطه الدقيق، والظروف العملياتية، ومن كان برفقته، وطبيعة المهمة، والتفاصيل التي تكشف طريقة العمل والتحرك، ليست أبدا معلومات يحق لكل شخص أن ينشرها، حتى وإن كان يعرفها.
اللهم ارحم شهداءنا وأسكنهم فسيح جناتك مع الشهداء والنبيين، وحسن أولئك رفيقا.
——————————
محمد هلاب
