سلّطت صحيفة «كريتيكا بوليتيشنا» البولندية الضوء على مهرجان في الصحراء (FiSahara) السينمائي، الذي احتضنته مخيمات اللاجئين الصحراويين، مؤكدة أن هذا الحدث الثقافي تجاوز حدود الترفيه السينمائي ليصبح فضاءً للتعبير عن تطلعات الشعب الصحراوي وحقوقه، ومنبراً للتعريف بقضيته على المستويين المحلي والدولي.
وفي تقرير للصحفي والباحث في العلاقات الدولية دومينيك سيبينسكي، نشرته الصحيفة في 4 يوليو 2026، تناولت الصحيفة الطبعة التاسعة عشرة للمهرجان، التي أقيمت مطلع مايو في مخيم أوسرد للاجئين الصحراويين.
وأشار التقرير إلى أن تنظيم مهرجان سينمائي في مخيمات اللاجئين الصحراويين وبيئة صحراوية تفتقر إلى الكثير من الإمكانات يمثل تحدياً كبيراً، حيث يتم تحويل أحد جوانب حاويات المساعدات الإنسانية إلى شاشة عرض، فيما تُقام العروض ليلاً في الهواء الطلق تحت سماء الصحراء، وسط حضور من اللاجئين والضيوف الأجانب.
ووفق الصحيفة، شهدت الدورة الأخيرة عرض 19 فيلماً، بينها أفلام قصيرة وأعمال أنتجتها المدرسة السينمائية الصحراوية، إلى جانب تخصيص فضاء لعرض أفلام الأطفال.
السينما كأداة للنضال السلمي
ونقلت الصحيفة عن أحمد محمود مامي، مدير المدرسة السينمائية الصحراوية، تأكيده أن أهمية المهرجان لا تقتصر على الترفيه، بل يمثل أداة لـ«النضال السلمي» والمطالبة بالحقوق ورفع الوعي بالقضية الصحراوية على المستويين المحلي والدولي.
وأكد مامي أن الثقافة والسينما أصبحتا وسيلتين أساسيتين للشعب الصحراوي من أجل سرد قصته من منظوره الخاص، مشدداً على أهمية امتلاك الصحراويين أدواتهم السينمائية الخاصة حتى لا تبقى قضيتهم رهينة لما يكتبه أو يصوره الآخرون.
كما أبرز التقرير دور المدرسة السينمائية الصحراوية في تدريب الشباب على كتابة السيناريو والإنتاج والمونتاج وتسجيل الصوت، بما يتيح للأجيال الجديدة توثيق تجربتها الإنسانية والسياسية والتعبير عنها من داخل مخيمات اللاجئين.
فلسطين والصحراء الغربية في قلب الدورة
وأفادت الصحيفة بأن الطبعة الأخيرة ركزت بشكل خاص على القضية الفلسطينية، مع إبراز أوجه التشابه القائمة بين الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال المغربي للصحراء الغربية، فضلاً عن التأكيد على حق الشعبين الفلسطيني والصحراوي في العودة.
كما شهد المهرجان حضور عدد من الناشطين وصناع الأفلام الفلسطينيين، فيما توّج فيلم «كل ما تبقى منك» (All That’s Left of You) للمخرجة شيرين دعيبس بجائزة «الجمل الأبيض»، وهي الجائزة الرمزية للمهرجان.
وأشار التقرير إلى أن الجائزة ليست تمثالاً أو قطعة رمزية، وإنما جمل أبيض حي، وهي خصوصية تميز مهرجان في الصحراء عن العديد من المهرجانات السينمائية الأخرى.
ثقافة في قلب المنفى
وأبرزت «كريتيكا بوليتيشنا» الظروف الصعبة التي يعيش فيها اللاجئون الصحراويون منذ عقود، مشيرة إلى الطبيعة القاسية للمنطقة الصحراوية، وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه والاعتماد الكبير على المساعدات الإنسانية.
ورغم هذه الظروف، يؤكد منظمو المهرجان أن الثقافة لا تقل أهمية عن الاحتياجات الأساسية، إذ نقل التقرير عن أحمد مامي قوله إن الثقافة جزء من الحياة، وإن فقدان الثقافة يعني فقدان الهوية، معتبراً أن الثقافة تمثل محوراً أساسياً في الوجود الصحراوي.
بدورها، شددت مديرة المهرجان الإسبانية ماريا كاريون على أن الصحراويين كانوا حاضرين في المهرجان منذ تأسيسه، وأن دور المتضامنين الأجانب يتمثل في توفير جسر بين المخيمات والعالم الخارجي، من خلال الدعم اللوجستي والمالي والمساعدة في إيصال الإنتاج السينمائي الصحراوي إلى الجمهور الدولي.
مهرجان ثقافي... ورسالة إلى العالم
ورغم حرص منظمي المهرجان، بحسب التقرير، على إبقاء السياسيين بعيداً عن الاستحواذ على الحدث، فإن الصحيفة ترى أن المهرجان يحمل في جوهره رسالة سياسية وثقافية مرتبطة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والعودة إلى وطنه حرا مستقلا.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الصحراوي إبراهيم غالي حضر افتتاح المهرجان، فيما ألقى وزير الثقافة الصحراوي موسى سلمة كلمة خلال فعالياته.
وأكد التقرير أن مهرجان «في الصحراء»، الذي استمر لأكثر من عقدين، بات يشكل مساحة تلتقي فيها السينما بالهوية والذاكرة وحقوق الإنسان، ووسيلة تتيح للشعب الصحراوي نقل صوته إلى العالم رغم ظروف اللجوء.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن قوة السينما تكمن في قدرتها على الوصول إلى أماكن قد لا يستطيع الأشخاص الوصول إليها، وهو ما يجعل الأفلام، بالنسبة للمنظمين الصحراويين، وسيلة لتجاوز حدود المخيمات وإيصال رواية الشعب الصحراوي وتطلعاته إلى جمهور عالمي أوسع.
المصدر: صحيفة «كريتيكا بوليتيشنا» البولندية – تقرير دومينيك سيبينسكي، 4 يوليو 2026.
