في عالم العبث و التفاهة و الفردانية المقيتة ، تبقى العديد من القضايا العادلة عالقة بين أنياب نظام عالمي مارق يفتقد إلى الجدية و التضامن . لطالما تتبعت مسارات القضايا التحررية في العالم ، نحن في الجزائر نحب تتبع مثل هذه القضايا ، لقد شرب أجدادنا من نفس العلقم ، شد انتباهي منذ الصغر واقع القضية الفلسطينية بفضل الإعلام خاصة و حكايا المناضلين و المجاهدين إبان حروب الإستنزاف ، شيئا فشيئا اكتشفت القضية الصحراوية و أنا في الثانوية وازداد اهتمامي بمسارات هذه القضية المتميزة قاريا و عالميا ،آخر مستعمرة في افريقيا ، آخر حلقة للظاهرة الاستعمارية في افريقيا ،مستعمر منسحب جبان ، مستعمر جديد يلهث وراء الغنيمة و حلم التوسع الإمبراطوري و بلد يحتضن اللاجئين على أرضه و منظومة أممية عاجزة . مسار هذه القضية طويل ،معقد و متعب حتى على الدارس فما بالك بالذي يعاني و يتكبد . اكتشفت المخيمات كمكون ورئيس مشروع انساني لدى منظمة غير حكومية إيطالية ، ثم مع منظمات إنسانية أخرى . سمحت لي التجربة بالإحتكاك أكثر باللاجئين الصحراويين من كل الأعمار و الفئات ، كانت هذه التجربة بمثابة المدرسة الثانية للعمل الإنساني بعد تجربتي في فرنسا . في المخيمات اكتشفت القضية و الواقع و السياقات الصحراوية و سلاحا فتاكا ،يغفل عنه الكثير أو يتغافل لسبب غير نبيل . إنها الثقافة الصحراوية ، ضاربة في العمق ، إنها الثقافة الحسانية المتنوعة،المتجذرة و الممتدة والعابرة للحدود ، هنا في هذه الفضاءات الصحراوية الحسانية ،تتنوع التفاعلات و تتعدد الانتاجات الإبداعية .تراث مادي و لا مادي شاهد على تميز القضية الصحراوية و التراث الحساني ، أعتقد أن المستعمر السابق و اللاحق لهذه الأرض انتبه لهذا الثراء و حاول استغلاله خدمة لأغراضه الاستعمارية و التوسعية ، عمل على أن ينسب هذا التراث و يدمجه في مشروعه الوطني التوسعي ، لم يسلم التراث الصحراوي من الفردانيات الضيقة باسم العمل الإنساني أو البحث التاريخي الانتروبولوجي أو البحث في الثقافة الشعبية الشفهية الصحراوية . اكتشفت أعمالا أدبية،روائية،تاريخية أصبحت مشهورة و تدر على أصحابها شهرة و مالا و حضورا متميزا في صالونات الشرق و الغرب . سعدت هذه الأيام ،بنشر صورة كتاب صدر و ترجم منذ سنوات بعنوان "هدارة ، حكاية الولد الذي عاش مع النعام " ، هي حكاية من حكايا التراث الصحراوي الزاخر بمثل هذه التراثيات ، سعدت كثيرا بالنقاش الذي تلى منشوري ،فكل متتبع يحاول أن ينسب الحكاية المثيرة لبيئته الوطنية أو الثقافية ، فمنهم من يقول أنها حكاية صحراوية و آخر ينسبها لموريتانيا و آخر للجزائر و آخر للمغرب ، و الحقيقة أن مثل هذه الحكايا لها امتدادات في الفضاء الحساني الرحب و الواسع و المتنوع . ما يهمني هنا هو هذه الحالة من التراشق قبل مجيء الأجنبي أكان باحثا أم متدخلا إنسانيا ليستحوذ على المعلومة و يغلفها بالإثارة و الخيال ليخرجها في حلة ترفعه لمنصات الشهرة و الأضواء و المال . حكاية هدارة ،شاهدة على غرابة الإنسان ورهانات الثقافة و الهوية و الظاهرة الاستعمارية بينما يتجادل الصحراوي و الجزائري و الموريتاني حول الحكاية ،يأتي المستعمر ليستثمر فيها و يحولها إلى ملحمة و طنية تخدم أغراضه و أهدافه ، رأينا أن الحكاية طبعت و ترجمت و غلفت بشهد الأسطورة و الخيال الواسع لتلقي الضوء على مؤلفتها ، مونيكا زاك ، التي تحسن التقاط المعلومة و الثقافة الشفاهية و تحسن تحويلها لقصص ممتعة للصغار و الكبار . أحاول دائما أن أكتم غيضي أمام هذه الظاهرة التي ازدادت تفاقما منذ سيادة التفاهة . أتعجب مثلا لجزائري ،يحاول أن ينسب الحكاية للجزائر في حلة و طبعة رديئة جدا و كأن هدفه هو أن يقول هذا البطل جزائري من هنا ! و أتعجب كذلك للتماطل و الكسل الصحراوي الذي لا يهتم ربما بفعالية الثقافة و التراث و ارتباطهما الوثيق بالقضية الصحراوية . حكاية هدارة ...مؤشر على أن الثقافة و التراث أصبحا سلاحا مهما في السيطرة و النفوذ .
غير بعيد عن عالم الثقافة الشعبية الشفوية و الأدب و الرواية و القصة ، تتوسع الأطماع الاستعمارية فللمستعمر برنامجه و مخططه يمشي وفقه ، تأتي السينما كقطاع ثقافي ،اقتصادي و رأسمالي مهم و نافذ في العلاقات الدولية . لقد لاحظنا و تتبعنا مسلسلات و أفلاما خادمة لمفاهيم استعمارية واضحة ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر فيلم 300 الذي يسلط الضوء على ملحمة خرافية لا أصل لها ، في عز احتدام الصراع و الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية و ايران . هاهو مخرج آخر يخرج لنا بطبعة جديدة للأوديسة في حلة ملحمية و فانتازيا جديدة ، ينسى أو يتناسى نولان في ملحمته أن ينتبه لملحمة أخرى على الأرض التي صور فيها بعض مشاهد الأوديسة ، ففي الصحراء الغربية قضية تأبى النسيان و شعب يعاني لكنه صامد يناضل في اللجوء و المهجر و السجون ، ألم ينتبه حقيقة لهذا الأمر ؟ في البطاقة التقنية للفيلم ،هنالك إشارة لأماكن تصوير مشاهد ملحمة نولان ، اليونان، ايطاليا،المغرب،الصحراء الغربية . كيف تحصل فريق التصوير على رخصة تصوير مشاهد في الصحراء الغربية؟ ، و كيف يمكن لنولان وزوجته التي اقتسمت معه السيناريو و ثلة الممثلين و الممثلات المشهورين و الذين نراهم في مهرجانات السينما في ثوب الوقار و الالتزام بالقضايا العادلة و في المقابل يتهافتون على عمل سينمائي ملحمي سوف يدر عليهم مالا و شهرة تغنيهم عن فضيلة التنديد و الالتزام و المقاطعة . الأوديسة ، هي باحة خلفية لهذا النظام العالمي الذي لا يهتم بالإنسان و لا بالإنسانية و إنما بالمال و الجاه و الفردانية و السلطة تحت رعاية امبريالية أمريكية توزع صكوك الحضور و النفوذ على حلفائها خاصة .
حكاية هدارة ،هي تغريبة ثقافية و تاريخية ،تحمل رمزية التحرر و الانعتاق و الصفاء ، تبقى حكاية يستولي عليها الفرد في صورة الكاتب أو النظام الاستعماري الذي يحولها لعمل ثقافي يخدم أغراضه ، الأوديسة ،كذلك ملحمة للتحرر و الانعتاق تحاول القضاء على الأرض و الوعي التحرري و تحاول كذلك الهاء و تخدير المشاهد بجمال المشاهد و تقنيات التصوير و اخفاء القضية وربما ردمها .
هنا تصبح الثقافة سلاحا فتاكا يتعدى الرشقة الصاروخية و الجدار العازل و معاناة اللجوء و اكراهاته ، ليتحول لامبريالية من نوع آخر .
الكاتب ولاعلامي
عبدلي محمد امقران
