مرة أخرى يجد نظام المخزن المغربي نفسه أمام فضيحة سياسية وأخلاقية لا يمكن اختزالها في ملف الهجرة غير النظامية، ولا في ذريعة التعقيدات الإدارية. فالمسألة اليوم تتعلق بجثامين مواطنين مغربيين، بعضهم لا يزال عالقا في سبتة، فيما تستعد سلطات المدينة لدفن عشرات الجثامين التي لم تستعدها السلطات المغربية.
القضية الأكثر إثارة للصدمة تتمثل في جثمان الشاب المغربي محمد سعيد عارف، البالغ من العمر 21 عاما، الذي توفي خلال أحداث العبور الجماعي الأخيرة إلى سبتة. وبعد التعرف على هويته واستكمال الإجراءات اللازمة لنقله إلى المغرب ودفنه في مدينة المضيق، توقفت عملية النقل عند معبر تاراخال، وعادت سيارة نقل الموتى إلى سبتة والجثمان بداخلها، بعدما أبلغ الجانب المغربي نظيره الإسباني بعدم مباشرة إجراءات نقله في الوقت الراهن.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن لجثمان مواطن مغربي أن يجد صعوبة في دخول بلده بعد موته؟
هذه ليست مجرد مفارقة مؤلمة، بل صورة تختصر أزمة مسؤولية كاملة.
فبحسب المعطيات الواردة، لا تتوقف القضية عند جثمان محمد سعيد عارف، إذ توجد عشرات الجثامين الأخرى في سبتة، من بينها 82 جثمانا خضعت للتشريح، بينما تستعد السلطات المحلية لدفنها في المدينة إذا تعذر نقلها إلى المغرب.
إنها مأساة تتجاوز ملف الهجرة. هؤلاء لم يعودوا مهاجرين يحاولون عبور الحدود، بل أصبحوا مواطنين مغربيين فارقوا الحياة، ومن حقهم أن تُحفظ كرامتهم وأن يعودوا إلى بلدهم، ومن حق عائلاتهم أن تتلقى جثامين أبنائها وتدفنها.
والأكثر إيلاما أن الدولة المغربية تملك من الوسائل ما يجعل تحديد هوية مواطنيها وملاحقة ملفاتهم أمرا ممكنا: سجلات الحالة المدنية، بيانات الأسر، الأجهزة الأمنية، والمعلومات المرتبطة بالمواطنين. لذلك لا يمكن تحويل ملف عشرات الجثامين المغربية إلى شأن إسباني صرف.
سلطات سبتة الإسبانية تستطيع حفظ الجثامين واستكمال الإجراءات الطبية والقانونية داخل أراضيها، لكنها لا تستطيع وحدها الوصول إلى كل عائلة مغربية تبحث عن ابن مفقود، ولا تملك وحدها قواعد بيانات الدولة المغربية لتحديد هوية كل ضحية. هنا تبدأ مسؤولية الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الضحايا.
فالقضية اليوم لم تعد تتعلق فقط بمن حاولوا الهجرة ولماذا حاولوا، بل بما فعله نظام المخزن المغربي بعد أن تحولوا إلى جثامين. فالدولة تُختبر بمدى قدرتها على حماية كرامة مواطنيها، حتى بعد الموت.
إن ترك عشرات الجثامين معلقة في سبتة، بينما تنتظر عائلاتها في المغرب، يحول مأساة الهجرة إلى أزمة مسؤولية دولة. فالمواطن الذي لم يجد في حياته ما يكفي من الأمل، لا ينبغي أن يُحرم في مماته حتى من أبسط حقوقه: أن يعود إلى وطنه، وأن يحمل اسمه، وأن يدفن بين أهله.
الأحياء واجهوا البحر بحثا عن وطنٍ أفضل، والأموات يواجهون الحدود بحثا عن طريق العودة إلى الوطن. وبين البحر والحدود، يبقى السؤال معلقا في وجه النظام المغربي: أين كان المخزن عندما احتاجه أبناؤه؟
