القائمة الرئيسية

الصفحات

النقد والنقد الذاتي.. بين الهروب والمسؤولية


- بقلم: محمد هلاب
منذ فترة، وأنا أتابع بشكل يومي ما ينشره بعض شبابنا على منصات التواصل الاجتماعي، ومنه ما أصبح يندرج في إطار مؤسسات نفعية (نفعية في واقع اللجوء)، وأجد نفسي أمام محتويات قوية، وأفكار مبتكرة، وقدرات واضحة في التصوير والمونتاج والكتابة والتواصل؛ وفي كثير من الأحيان، أتساءل: كيف استطاع هؤلاء الشباب، بإمكانات فردية وبوسائل بسيطة، أن يقدموا هذا المستوى من المحتوى؟

لكن السؤال الذي يثير القلق أكثر هو: لماذا لا نرى، داخل مؤسساتنا الوطنية، ولو جزءًا يسيرًا من هذا المستوى من الجودة والحيوية والإبداع؟

وهنا، لا يمكن أن يأتي هذا السؤال كتقليل من شأن مؤسساتنا، ولا من باب جلد العاملين فيها، وإنما من باب التنبيه والنقد الذي أعتقد أننا في حاجة ماسة إليه جميعًا. فالمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها مؤسساتنا الإعلامية، يفترض أن تكون الفضاء الطبيعي الذي تتجمع فيه هذه الطاقات والكفاءات، وأن تجد فيه فرصة لتطوير نفسها وتوظيف قدراتها لخدمة الصالح العام.

لنأخذ المجال الإعلامي الرسمي (الإذاعة والتلفزيون، مثالًا). اليوم نجد شبابًا يمتلكون قدرات كبيرة جدًا في صناعة المحتوى والتواصل والتأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض ما يقدمونه يتجاوز، من حيث الجودة والحضور والتفاعل، ما تقدمه مؤسسات إعلامية يفترض أنها تملك من الإمكانات والخبرة والوسائل ما يؤهلها لتقديم الأفضل.

وهنا أصبحنا نسمع تبريرًا متكررًا لعزوف الكثيرين عن المؤسسات الوطنية، مفاده أن هذه المؤسسات "أصبحت مستحوذًا عليها من المسؤولين، وأنه لم يعد فيها مجال للعمل أو للإبداع".. وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى وقفة مع أنفسنا.

إذا كانت المؤسسات الوطنية ملكًا للشعب، وليست ملكًا للمسؤولين، فهل يكون الحل في أن نتركها لهم؟ وهل انسحاب أصحاب الكفاءة منها هو الطريقة الصحيحة لاستعادتها؟؛

لا نقول إن الأبواب مفتوحة دائمًا، ولا ننكر وجود عراقيل أو اختلالات أو ممارسات قد تدفع البعض إلى الابتعاد؛ لكن تحويل ذلك إلى مبرر دائم للعزوف قد يجعلنا، من حيث لا نشعر، نترك المجال فارغًا لمن نزعم أنهم يبسطون سيطرتهم عليه.

المؤسسة التي يُعتقد أنه مستحوذ عليها لا تُستعاد بالهروب منها..

وماذا لو وظّف هؤلاء الشباب جزءًا من القدرات التي يوظفونها يوميًا في الفضاءات الرقمية داخل مؤسساتهم الوطنية؟ ماذا لو دخلوا إليها بأفكارهم الجديدة، وتجاربهم، وأدواتهم الحديثة، وخبرتهم في مخاطبة الجمهور، بدل الاكتفاء بالعمل خارجها وانتقادها من بعيد؟؛

ربما يقول قائل: "لم يتركوا لي مجالًا".. لكن هنا يأتي دور النقد الذاتي أيضًا.

إذا كان كل صاحب كفاءة سيقول: "لم يتركوا لي مجالًا"، ثم يغادر، فمن سيبقى ليطالب بفتح المجال؟ ومن سيعمل على تطوير المؤسسة إذا انسحب منها أصحاب الخبرة والكفاءة؟.

ربما حان الوقت لأن ننتقل من سؤال: "لماذا لا يتركون لنا مجالًا؟" إلى سؤال أكثر مسؤولية: "ماذا يمكن أن نفعل نحن لإعادة مؤسساتنا الوطنية إلى دورها الحقيقي؟".

فالمؤسسات الوطنية ليست ملكًا لمسؤوليها، ولا لمن يجلسون فيها اليوم، وإنما هي ملك عام، والصالح العام مسؤولية مشتركة.

نعم، علينا أن ننتقد أداء مؤسساتنا، وأن نطالب بتطويرها، وفتح المجال أمام الكفاءات، وتجديد أساليب العمل فيها. لكن علينا في المقابل أن نسأل أنفسنا بصدق: هل الانسحاب هو الحل؟ وهل يكفي أن ننتقد من الخارج، بينما نملك نحن أيضًا قدرات يمكن أن تسهم في التغيير من الداخل؟.

النقد الحقيقي لا يعني أن ندير ظهورنا للمؤسسة، بل أن نمتلك الشجاعة لنقول ما الذي لا يعمل، ثم نبحث عن مكاننا في عملية إصلاحه.

لا نريد أن تتحول مؤسساتنا الوطنية إلى مجرد هياكل ننتقدها من بعيد، ولا نريد أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى البديل الدائم عنها؛ نريد أن تتكامل الطاقات، أن يستفيد الإعلام الرسمي من حيوية الفضاء الرقمي، وأن يستفيد الشباب من مؤسساتهم، وأن يصبح ما نراه من إبداع على صفحات الأفراد جزءًا من قوة مؤسساتنا الوطنية.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: من المسؤول عن ضعف مؤسساتنا؟، بل الأهم: ما مسؤوليتنا نحن تجاهها؟.. لأن الهروب الجماعي لا يُصلح مؤسسة، والنقد وحده لا يبنيها.
ننتقد، نعم لكن لا نهرب.
نطالب بالتغيير، نعم لكن لا نتخلى عن مؤسساتنا.
ونمارس النقد، لكن لا ننسى النقد الذاتي.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...