بعد شهر من غزو سبتة من قبل مئات الآلاف من المهاجرين المغاربة، بدأت صورة تلك المأساة الإنسانية تتضح شيئًا فشيئًا، كما بدأ الغموض الأولي المليء بالتناقضات يأخذ شكلاً أكثر وضوحًا. وفي هذه المرحلة، هناك حقيقة واضحة: المغرب، وهو بلد يسيطر على رعاياه حتى في أدق تفاصيل حياتهم، يتحمل المسؤولية الرئيسية. ولا مجال لأنصاف الحلول في هذا الجانب.
أما ما يمكن أن يختلف، فهو أسباب هذا الابتزاز؛ إذ قد تكون له عدة أوجه عند محاولة تفسيره، وربما تكون سلسلة من الأحداث المرتبطة بالصحراء الغربية هي التي تحمل وزنًا أكبر من غيرها. ومن بين ذلك قانون الجنسية الإسبانية بالنسبة إلى الصحراويين، واستقبال قاصرين صحراويين في مجلس النواب من جانب رئيسة المجلس الاشتراكية، فرانسينا أرمنغول. ومع ذلك، هناك واقعة واحدة قد تحمل قراءة لافتة على أقل تقدير، وقد مرّت مرور الكرام عند تحليل ذلك الاستفزاز الذي قام به النظام المغربي تجاه إسبانيا. فلنضع الأمور في سياقها.
منذ عدة أشهر، تصدرت جميع نشرات الأخبار التلفزيونية في إسبانيا خبرٌ مدوٍّ: رئيس الحكومة الاشتراكي الأسبق، خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، يخضع للتحقيق على خلفية سلسلة من قضايا الفساد المزعومة، تتراوح بين استغلال النفوذ وغسل الأموال. وقد تصدّر هذا الخبر عناوين الصحف، بل وصل إلى الصحافة الدولية أيضًا، ومن بينها، بطبيعة الحال، وسائل الإعلام المغربية.
وثاباتيرو، كما هو معروف، يُعد من أبرز، إن لم يكن أبرز، جماعات الضغط المدافعة عن النظام العلوي. وقد تفاخر الزعيم الاشتراكي السابق بهذا الدور في مناسبات عديدة، حتى أصبح مدافعًا شرسًا عن الادعاء المغربي بشأن مغربية الصحراء الغربية. بل إنه رعى منظمةً تشير تقارير جهاز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI) إلى أنها تعمل كواجهة لأجهزة الاستخبارات المغربية في إسبانيا.
والآن لنعد إلى الحاضر. فبعد عشرة أيام فقط من إدلاء ثاباتيرو بإفادته، دفع المغرب بأكثر من سبعين ألف قاصر إلى البحر. فهل كان ذلك بمثابة طوق نجاة للرئيس السابق؟ وهل كان وسيلة لصرف الأنظار وتخفيف الضغط عن ثاباتيرو؟ نعم، أو على الأقل على المستوى الإعلامي. فمن يتحدث الآن عن مجوهرات ثاباتيرو؟ وماذا عن العمولات التي يُزعم أنه تقاضاها؟
أما اقتحام سبتة، فقد أدى، في الحد الأدنى، غرضه خلال شهر أغسطس الذي كان فقيرًا بالأخبار، من الناحية الإعلامية. فالمغرب يجيد مدّ يد العون إلى حلفائه في أحلك ساعاتهم، حتى وإن كان الثمن هو صورته وسمعته ومكانته، بل وحتى أبناء شعبه الذين يُدفع بهم ليكونوا وقودًا للمدافع.
بقلم : سلامو حمودي
