القائمة الرئيسية

الصفحات

عن الهجرة إلى سبتة... البحر أقل رعباً من اليابسة


حسن آيت اعزيز - كاتب مغربي
لم يعبر آلاف الشباب من المغرب إلى سبتة يوم الخميس 30 تموز/ يوليو 2026. من عبر في الحقيقة كان اليأس. عَبَر سباحةً، ومشياً، وتشبّثاً بالصخور، حاملاً أطفالاً فوق كتفيه، كما لو أنّ جيلاً كاملاً قرّر أن يقدّم استقالته من الضفة التي وُلد فيها.
كانت الصور شديدة القسوة. شباب يخرجون من البحر حفاةً، بعضهم يرفع يديه فرحاً، وبعضهم يصل منهكاً، وآخرون لم يصلوا أصلاً.
أحدث التقارير تحدّث عن عبور أكثر من 50 ألف شخص من المغرب نحو سبتة عادت غالبيتهم حسب وزارة الداخلية الإسبانية، وعن وفاة ما لا يقلّ عن 57 آخرين والعدد مرشّح للارتفاع، بينما كانت المدينة قد استقبلت قبل ذلك نحو ألف وخمسمئة مهاجر خلال أسبوع واحد، بمعدل يقارب ثلاثمئة شخص يومياً.
وصل الاكتظاظ في مرافق استقبال القاصرين غير المصحوبين إلى مستويات تفوق طاقتها الأصلية بأضعاف كثيرة، قبل أن تستدعي السلطات الإسبانية الجيش للمساعدة في احتواء الوضع.
تسمية مهذبة لكارثة غير مهذبة
سيقال إنهم مهاجرون غير نظاميين، وهي تسمية مهذبة جداً لكارثة غير مهذبة.
لا أحد يضع طفله فوق كتفيه ويدخل الماء لأنّ تطبيق الطقس أخبره بأنّ الأمواج مناسبة للهجرة. الإنسان لا يرمي جسده في البحر إلا حين تصبح الأرض التي يقف عليها شكلاً آخر من الغرق
تسمية تجعل الأمر يبدو كأنّ المشكلة في ورقة ناقصة، أو في ختم لم يوضع في مكانه الصحيح، لا في إنسان قرّر أنّ البحر أقل رعباً من المستقبل الذي ينتظره على اليابسة.
لا أحد يستيقظ صباحاً ويقول لنفسه: الطقس جميل اليوم، لماذا لا أخاطر بالغرق؟
لا أحد يضع طفله فوق كتفيه ويدخل الماء لأنّ تطبيق الطقس أخبره بأنّ الأمواج مناسبة للهجرة. الإنسان لا يرمي جسده في البحر إلا حين تصبح الأرض التي يقف عليها شكلاً آخر من الغرق.
كفاءة انتقائية مذهلة
الغريب أنّ الحدود تعمل بكفاءة انتقائية مذهلة؛ الفوسفات يعبر، والسمك يعبر، والفواكه تعبر، والنسيج يعبر، والأموال تعبر، وأرباح الشركات تعبر. أما الإنسان الذي أنتج ذلك كله، فعليه أن يثبت أنه يستحق المرور.
البضاعة المغربية تصل إلى الأسواق الأوروبية بسلام، لكن ابن البلد نفسه قد يصل إليها جثةً.
يبدو أنّ الطماطم المغربية تملك ملف تأشيرة أقوى من الشاب المغربي، وأنّ الصندوق المملوء بالمنتجات أكثر احتراماً لدى النظام العالمي من الصدر المملوء بالأحلام.
رحلة بدأت قبل سنوات
لكن اختزال ما وقع في سبتة في عبارة الشباب المتهور سيكون كسولاً وغير أخلاقي. فهذه الأجساد لم تبدأ رحلتها من الشاطئ، بل بدأت قبل سنوات، في مدرسة لا تمنح تعليماً يفتح باباً، وفي حي لا يصل إليه الاستثمار، وفي أسرة تنفق كل ما تملك كي يحصل ابنها على شهادة، ثم تكتشف أنّ الشهادة مجرد ورقة أنيقة تثبت أنه عاطل بطريقة رسمية.

في المغرب، شابّ من كل ثلاثة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنةً، لا يشتغل ولا يدرس ولا يتلقى تكويناً، فيما تتحدث تقارير دولية حديثة عن ضعف خلق الوظائف، وانتشار العمل غير المهيكل، وعدم تطابق المهارات مع حاجات السوق، واستمرار الفوارق بين الجهات.
حين يرى الشاب أنّ التعليم لا يقوده إلى العمل، وأنّ العمل لا يقوده إلى الكرامة، وأنّ الكرامة نفسها تحتاج إلى معرفة شخص يعرف شخصاً آخر، يبدأ البحر بالظهور كأنه مكتب توظيف خطير، لكنه على الأقل يردّ بسرعة.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...