القائمة الرئيسية

الصفحات

تهافت "الحكم الذاتي": صخرة الوعي الصحراوي وانكشاف مناورات التضليل


بقلم  :  محمد مولود مولاي لحسن. 
​في كل مرة يجد فيها الاحتلال نفسه محاصرا بأزماته الاقتصادية الخانقة ومآزقه السياسية المتلاحقة، تسارع آلياته الإعلامية وذباؤه الإلكتروني إلى سدل الستار على الواقع المأزوم عبر إغراق الفضاء الرقمي بالشائعات والدعاية المغرضة. إنها استراتيجية تعتيم ممنهجة تهدف إلى تصدير الأزمة الداخلية، وصرف الأنظار عن حقيقة الميدان، واستغلال هشاشة البعض لتمرير روايات مضللة تشكك في عدالة النضال الصحراوي وتصور التوازنات الدولية وكأنها القول الفصل في المصير.
​غير أن هذه المناورات الإعلامية – على كثافتها – تصطدم بحقيقة مبدئية قاطعة: إن الدبلوماسية الصحراوية بكل تمثيلياتها وهيئاتها ليست سوى أداة تابعة لإرادة الشعب الصحراوي وتخدم تطلعاته السيادية. فمهما كانت صفة المتحدث، ومهما بلغت الضغوط أو الصفقات في الكواليس الدولية، فإن أي موقف أو مقترح لا ينال رضا الشعب الصحراوي الصريح والكامل يعتبر لاغيا وباطلا ولا قيمة قانونية أو سياسية له. فالسيادة والقرار الأول والأخير هما ملك حصري للشعب، وليسا بضاعة للتفاوض أو المنح من أي طرف كان، سواء أكان ترامب أم غيره من ساسة العالم.
​تسوق الدعاية المغرضة لمقترح "الحكم الذاتي" باعتباره سقفا للحل، بينما هو في جوهره وقواعده القانونية لا يعدو أن يكون محاولة مكشوفة لشرعنة الأمر الواقع وتصفية قضية تصفية استعمار بأسلوب ملتبس. فهذا المقترح يناقض صراحة الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة والقرار 1514  الذي يضمن حق تقرير المصير عبر الاستفتاء الحر والشفاف. وإن محاولات التسويق الإعلامي المتجددة لهذه الأطروحة بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية للطرف الآخر لا تعدو كونها غطاء للتغطية على الإفلاس التنموي والهيكل الإداري المأزوم.
​وفي هذا السياق، تبرز مشاهد الهجرة المتزايدة وهروب الشباب التي تشهدها الساحة المغربية اليوم كدليل دامغ وشاهد حي على انهيار المنظومة الداخلية وتآكل القوى التي عجزت على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن عن كسر شوكة مشروع ثورتنا المجيدة أو تركيع إرادة الشعب الصحراوي. إن عجز المحتل عن تحقيق حسم ميداني أو كسب شرعية شعبية طوال عقود من الزمن يثبت أن المراهنة على الدعاية الإلكترونية والصفقات العابرة هي مجرد سراب أمام تجذر القضية وعمق مشروعها الثوري.
​إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الشائعات ذاتها، بل في سرعة تناقلها والتفاعل معها من قبل ضعاف العقول الذين يتحولون – دون قصد – إلى أدوات لنقل "الجرثومة الإعلامية". فالذباب الإلكتروني يراهن بالأساس على اختراق الجبهة الداخلية، وزرع الشك، وإشاعة الإحباط عبر تصوير التوازنات الدولية والمتغيرات السياسية وكأنها القول الفصل في مصير الشعب.
​وهنا تتجلى أهمية الحصانة الفكرية والوعي النقدي؛ فالقضايا العادلة لا تقاس بمدى رضا القوى الكبرى أو تغير الإدارات الدولية، بل بتضحيات أهلها وثباتهم على الأرض. السياسيون يرحلون، والتحالفات تتغير، والصفقات الجانبية تسقط أمام التغيرات التاريخية، بينما تبقى إرادة الشعوب الحرة هي المحدد الأخير والوحيد لمستقبلها.
​إن الرد الأبلغ على الحملات الإعلامية والدعاية المغرضة ليس الانجرار وراء المهاترات الرقمية، بل تعزيز التضامن الداخلي، والتمسك بالمرجعية الشعبية للقرار الصحراوي، والوعي بأن حق تقرير المصير هو ملك للشعب الصحراوي وحده – بيد أبنائه وصمودهم – لا بيد ترامب ولا غيره من صناع القرار الدولي. ستظل صخرة الوعي الصحراوي تتكسر عليها كل أوهام "الحكم الذاتي" ومناورات التضليل، فالحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم، والشعوب التي تمتلك إرادة البقاء لا تهزمها حرب إعلامية.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...