هناك قضايا في تاريخ الشعوب لا تحتاج، مع مرور الزمن، إلى أن تعيد في كل مرة إثبات عدالتها، لأنها تجاوزت حدود اللحظة السياسية وأصبحت جزءاً من الذاكرة والوجدان والتاريخ. قضايا ارتبطت بحق الإنسان في الحرية والكرامة، وبحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها.
ومع تعاقب الأجيال وتغير الظروف، لا تحتاج القضية العادلة إلى إثبات عدالتها بقدر ما تحتاج إلى من يحسن حملها، ويفهم تحولات الزمن، ويعرف كيف يحافظ على جوهرها ويُطوِّرَ أدوات الدفاع عنها.
وقضيتنا الوطنية واحدة من هذه القضايا؛ هي قضية شعب تمسك بأرضه رغم التقسيم، وحافظ على هويته رغم محاولات الاستلاب، ودفع ثمناً غالياً من أجل حريته وحقه في في العيش الكريم؛ وهي قضية ارتبطت، منذ انطلاقة الثورة وتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (ماي 1973)، بتضحيات أجيال كاملة، وبمسار طويل من المقاومة والصمود، وبإيمان لم تستطع العقود ولا تبدل الظروف أن تنتزعه من وجدان شعبنا.
وعليه، إذا أردنا النقاش، خاصة وأننا على أبواب محطة من محطات كفاح شعبنا، والمتمثلة في المؤتمر الشعبي العام الـ17، فبالتأكيد لن يكون موضوع عدالة القضية، ولا شرعية الحق، ولا حجم التضحيات التي بُذلت، محل النقاش، لأنها ببساطة، أمور أكبر من أن تكون محل مزايدة.
بل إن ما يحتاج إلى نقاش هو نحن؛ نحن الذين نحمل هذه القضية اليوم، ونحن الذين ورثنا تجربة طويلة، وذاكرة مثقلة بالتضحيات، ومؤسسات تراكمت عبر عقود، في وسط واقع دولي وإقليمي تغير كثيراً عما كان عليه عند انطلاق الثورة.
والسؤال الذي يفرض نفسه، بكل هدوء ومسؤولية، هو، هل تغيرت أدواتنا وعقليتنا ومؤسساتنا بالقدر نفسه الذي تغير فيه العالم من حولنا؟ وهل ما نمتلكه اليوم يكفي لحمل القضية إلى مستقبلها؟
وبالتأكيد، ليس في طرح هذا السؤال انتقاص من الماضي، ولا محاكمة لجيل التأسيس بمعايير الحاضر، وإنما هو، في جوهره، محاولة للوفاء لذلك الماضي من خلال حماية ما أنجزه أصحابه وتطويره، لا الاكتفاء بتذَكُّرِه.
لقد تزامنت البدايات مع ظروف لم تكن تتوفر فيها أبسط الشروط التي تبدو لنا اليوم ضرورية لأي مشروع بهذا الحجم؛ ومع ذلك، لم ينتظر من فجروا الثورة اكتمال الشروط، وإنما بدأوا بصناعة ما لم يكن موجوداً.
ولعل الشهيد الولي مصطفى السيد، رحمه الله، عبّر عن ذلك عندما قال: «الثورة في الساقية الحمراء ووادي الذهب أُعلنت اعتماداً على أشياء حتمية الوقوع، وليس على أشياء موجودة بالفعل». وهذه المقولة ليست مجرد وصف لمرحلة مضت، بل إنها واحدة من أهم المفاتيح لفهم عقلية الجيل المؤسس.
لم تكن الإمكانات هي التي صنعت الثورة، وإنما الإرادة والإيمان بالشعب وعدالة القضية والقدرة على تحويل الممكن إلى واقع.
وهنا تبدأ الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها اليوم؛ إذا كان جيل التأسيس لم ينتظر أن تكون الشروط مكتملة، فهل ينبغي لنا نحن أن ننتظر اكتمالها؟
وإذا كان أولئك الذين سبقونا قد استطاعوا أن يصنعوا من القليل الكثير، فهل نحن، بما تراكم لدينا اليوم من تجربة ومعرفة ومؤسسات وعلاقات وكفاءات، عاجزون عن صناعة ما تحتاجه المرحلة؟
وللوقوف عند هذه الأسئلة لفهم مغازيها، لابد من تفكيكها إلى محاور، ستكون كفيلة بالجواب عنها؛
ـ الشعب.. نقطة البداية ونقطة النهاية
من أكثر ما يلفت في فكر الشهيد الولي مصطفى السيد، ذلك الحضور الدائم للشعب باعتباره مصدر القوة وغاية المشروع في الوقت نفسه.
ومن بين ما قال، رحمه الله، في هذا السياق: «إن سر وجودنا، وسر مكاسبنا.. أسباب الوجود والمكاسب، أسباب الكرامة والاحترام، هي حقيقة واحدة اسمها الشعب».
وقال أيضا: «القوة الحقيقية التي تصنع التاريخ والتي تستطيع طرح حلول للمشاكل هي قوة الشعب».
ثم يختصر الأمر في عبارة أخرى بالقول: «لا توجد فائدة أو قوة أو احترام إلا للقاعدة الشعبية».
إذا أخذنا هذه الأقوال بجدية، فإنها تقودنا إلى نتيجة لا ينبغي أن تكون محل خلاف، وتتجلى في كون تقوية المجتمع ليست ملفا اجتماعيا هامشيا، وإنما هي جزء من صلب المشروع الوطني؛ كون أن القضية لا تُحمل بالشعارات وحدها، ولا بالخطابات، ولا بالمواقف السياسية فقط، بل تحملها الأجيال، ويحملها الفرد، وتحملها المؤسسات التي تصنع هذا الفرد وتحفظ قدرته على الصمود والاستمرار.
ومن هنا، فإن ملفات، التعليم والصحة والثقافة والإعلام والجيش والشباب، ليست ملفات منفصلة عن القضية، بل إنها، في جوهرها، جزء من قدرتنا على حماية هذه القضية؛ وذلك يقودنا إلى الغاية التي عبّر عنها الولي، رحمه الله، عندما قال: «إن الغاية الكبرى التي نطمح للوصول إليها، هي شعبٌ منظم، ملتحم، قادر، محترم وفوق أرضه».. ومن هنا لابد من الوقوف والتوقف، لنسأل أنفسنا بصدق، ماذا فعلنا خلال العقود الأخيرة الماضية لبناء هذا الشعب بالصورة التي نريدها؟ وهل كل ما نقوم به اليوم يقربنا من هذه الغاية أم أن بعض ممارساتنا، بقصد أو من دونه، أصبحت تبعدنا عنها؟
الشعب الصحراوي، في عمومه، ليس بعيداً عن فهم طبيعة المرحلة ولا عن إدراك ما يحيط به من تحديات، وقد أثبتت التجربة أن المواطن حين يفهم دوافع التغيير ويدرك ما يمكن أن يحققه من فائدة، فإنه لا يكون عائقاً أمامه، بل يتحول إلى أحد أهم عوامل نجاحه.
غير أن الجديد (أي شيء دخيل علينا)، حتى عندما تكون فيه مصلحة، قد يثير في البداية شيئاً من التحفظ والحذر، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات التي راكمت تجارب طويلة وتخشى أن تتحول التغييرات غير المدروسة إلى أعباء جديدة.
ولهذا فإن الطريق إلى كسب ثقة القواعد الشعبية ليس فرض الجديد عليها من بعيد، وإنما النزول إليها، والاستماع إليها، وشرح ما يُرادُ تغييره ولماذا يُراد تغييره، وإشراكها في النقاش منذ البداية.
إن الحضور بين المواطنات والمواطنين، وفي المؤسسات والقطاعات والمجالات المختلفة، ليس مجرد عمل تنظيمي أو واجب موسمي؛ إنه جزء من السياسة نفسها، لأن من يريد أن يغير واقع المجتمع يجب أن يكون حاضراً بين أفراده، وأن يعرف انشغالاتهم الحقيقية، وأن يجعلهم شركاء في صياغة الحلول لا مجرد متلقين لها.
ومن هنا، فإن الشباب والمثقفين، باعتبارهم من أهم الطاقات وزاد المجتمع، مطالبون بألا ينتظروا لحظة الاستحقاق (المؤتمر مثلا) حتى يتحركوا، وإنما أن يكون حضورهم مستمراً ودائماً في الميدان، وفي النقاشات والفعاليات والمؤسسات، وأن يقتربوا أكثر من الحياة اليومية للمواطن، لأن الإصلاح الذي لا يصل إلى القاعدة يبقى فكرة معلقة في الهواء.
ـ كلما تقوينا نحن.. ضعف عدونا
قال الشهيد الولي: «كلما تقوينا نحن، ضعف عدونا»؛ وقد تبدو هذه العبارة قصيرة، لكنها تحمل تصوراً كاملاً للقوة، فهذه الأخيرة (القوة) ليست فقط ما يملكه الإنسان من وسائل مواجهة مباشرة، بل تكمن في مجتمع متماسك، بتعليم جيد، وصحة تحفظ الإنسان، وإعلام يعرف كيف يخاطب الداخل والخارج، وثقافة تحمي الذاكرة والهوية، ومؤسسات فعالة، وشباب يجدون مكاناً حقيقياً لهم في صناعة المستقبل؛ وهذه بعض عوامل تقوية الداخل التي ينبغي أن تكون في مقدمة الأولويات.
لقد طال الصراع، وتغيرت الظروف، وتغير العالم من حولنا؛ وفي مثل هذه الأوضاع، لا يمكن أن تبقى الجبهة الداخلية مجرد مساحة للصمود السلبي؛ نحن بحاجة إلى داخل قوي، متماسك، قادر على إنتاج الكفاءات، وعلى مواجهة الظواهر التي تستنزفه، وعلى توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود والحياة الكريمة.
وبطبيعة الحال، الإنسان الذي يشعر بالكرامة يقوى على الصمود.
والشاب الذي يجد التعليم والعمل والمشاركة والأمل أقل عرضة لأن يصبح ضحية لليأس أو المخدرات أو الهجرة أو غيرها من الظواهر التي تستنزف المجتمعات.
ولهذا، فإن معركة المجتمع ليست منفصلة عن معركة التحرر.
ـ الزمن.. العامل الذي لا ينبغي أن نغفل عنه
الصراعات الطويلة لا تُقاس فقط بما يحدث فيها من أحداث، وإنما بما يفعله الزمن بأطرافها. والعدو كان، منذ البدايات، يدرك أهمية الزمن، وقد راهن عليه، ولا يزال.
فالذين أسسوا المشروع الوطني وانطلقوا بالثورة وأسهموا في بناء الجبهة ومؤسساتها، هم في النهاية، بشر، لهم أعمارهم، وتتعاقب عليهم السنوات، ويرحلون واحدا تلو الآخر.. وهذا أمر طبيعي.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح، هو ماذا فعلنا نحن، ساسة وعاميين، حتى لا تتحول هذه الحقيقة البيولوجية إلى فراغ سياسي أو مؤسساتي أو فكري؟ هل أعددنا الأجيال التي ستتحمل المسؤولية؟ هل أعطينا الشباب المساحة التي يستحقونها؟ هل فتحنا لهم الطريق نحو القيادة وصناعة القرار؟ هل استثمرنا بما يكفي في تكوينهم؟
وهنا يصبح التشبيب ضرورة حقيقية.. والتشبيب لا يعني إلغاء الجيل السابق، ولا إنكار فضله، ولا استبدال الأشخاص لمجرد الاستبدال؛ بل إنه يعني أن ندرك أن المستقبل له أصحابه، وأن المؤسسات التي لا تتجدد تصبح عاجزة، مع الوقت، عن مواكبة العالم.
نحتاج إلى شباب لا يكون دورهم مجرد التنفيذ، وإنما المشاركة في التفكير وصناعة القرار وتحمل المسؤولية. ونحتاج إلى أن يكون معيار الكفاءة والقدرة والعطاء هو الأساس.
ـ المسؤولية ليست امتيازاً
من أبلغ ما في كلام الشهيد الولي، رحمه الله، أنه كان شديد الوضوح في علاقة المسؤول بالقاعدة الشعبية، ويقول في هذا المجال: «إذا كان أحدكم مسؤولًا وجاءه فرد من أفراد القاعدة الشعبية يسأل عن حاجته، اقضوا له هذه الحاجة وهو مرفوع الرأس، مرفوع الكرامة».
ويقول في موضع آخر: «الاتكال سيعمل على فرز الإطارات، من منهم أصبح يميل إلى الانتهازية، يركب الجماهير ويستغل مكاسبها ثم يختبئ وراءها… ومن سيبقى بطبيعة الحال طلائعياً بالفعل بالنسبة للقاعدة الشعبية، يعطي ولا يأخذ».
وهذه ليست مجرد نصائح إدارية، بل إنها رؤية لمفهوم المسؤولية، حيث المسؤول في النهاية خادم للمشروع وخادم للناس، وليس صاحب امتياز على الناس؛ ومن هنا، فإن مراجعة العلاقة بين المؤسسة والقاعدة الشعبية ضرورة مستمرة.
ولا يمكن أن تكون المؤسسات قوية بتاتاً إذا فقدت ثقة الجماهير؛ كما لا يمكن أن تكون القيادة فاعلة إذا أصبحت بعيدة عن القاعدة.
ولا يمكن أن نطالب المجتمع بالتضحية والصمود، ثم لا نمنحه حقه في أن يُسمع وأن يُشارك وأن يرى أثر ما يقدمه.
ـ الحوار الوطني
إذا كان الشعب -كما رأينا- هو مصدر القوة، وإذا كانت وحدته أساساً للنجاح، فإن الحوار الداخلي يصبح ضرورة.
وهنا يقول الولي: «إن النجاح الكبير يكمن في وجودنا ككتلة واحدة ملتحمة.. كتلة ولو كانت صغيرة».
والتماسك الذي نحتاجه اليوم لا يعني أن نكون متشابهين في كل شيء، ولا يعني إلغاء الاختلاف. فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي لا يختلف، بل إنه ذاك المجتمع الذي يستطيع إدارة اختلافاته دون أن تتحول إلى عوامل تفكك.
ولهذا، فإن الحاجة إلى حوار وطني شامل، يضم مختلف مكونات وفئات الشعب الصحراوي أينما وجدت، تبدو اليوم أكثر إلحاحاً؛ حوار لا يكون هدفه البحث عن المخطئ وتحميله المسؤولية، وإنما البحث عن الصواب. حوار يسمح بطرح الأسئلة الصعبة، يعترف بمكامن الخطأ والعجز، يعيد الثقة بين المجتمع والمؤسسات، يجعل المواطن شريكاً في النقاش حول مستقبله، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
والأهم أن نقتنع بأن النقد لا يعني الخيانة، والاختلاف لا يعني الانقسام، والاعتراف بالخطأ لا يعني الهزيمة؛ بل إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الخوف من النقد أقوى من الرغبة في الإصلاح.
ـ الصراحة مع الذات
ربما تكون أصعب خطوة في أي مراجعة هي الاعتراف بأن هناك أشياء لم تعد تعمل بالطريقة التي كانت تعمل بها. وهذا لا يعني أن كل شيء فشل، ولا يعني أن كل ما سبق يجب أن يرمى جانباً أو يستغنى عنه، بل يعني ببساطة أن الزمن تغير.
هناك سياسات تحتاج إلى تطوير، ومؤسسات تحتاج إلى تجديد، وآليات تحتاج إلى مراجعة، وكفاءات يجب أن تجد طريقها، وأخطاء يجب أن نعترف بها.
والصراحة مع الذات ليست جلدًا للذات، بل إنها شرط من شروط القدرة على التصحيح.
لا يمكن أن ننتقل من الخطأ إلى الصواب إذا كنا غير مستعدين أصلاً للإعتراف بوجود الخطأ؛ ولا يمكن أن نستشرف المستقبل ونحن ما زلنا نقرأ الماضي فقط من زاوية ما نريد أن نتذكره.
نحتاج إلى قراءة الماضي بكل ما فيه، نجاحاته وإخفاقاته، انتصاراته وأخطائه، ثم نقرأ الحاضر كما هو، لا كما نتمنى أن يكون، وبعد ذلك فقط يمكن أن نستشرف المستقبل.
ـ العالم تغير، ويجب علينا نحن أيضاً أن نتغير
لا أحد يستطيع أن ينكر أن المشهد الدولي اليوم مختلف بصورة جذرية عما كان عليه عند انطلاق الثورة. تغيرت موازين القوى، وتغيرت التحالفات، وتغيرت طبيعة المصالح، وتغيرت أدوات التأثير.. وأصبح الإعلام والتكنولوجيا والمعلومات عناصر أساسية في صناعة القوة. ولهذا، فإن مواكبة الوضع الدولي لم تعد خياراً
نحتاج إلى آليات تفكير جديدة، إلى كفاءات متخصصة، إلى معرفة دقيقة بما يجري في العالم، إلى قدرة على التكيف مع التحولات بدل انتظار أن تعود الظروف إلى ما كانت عليه.
المبدأ لا يتغير، لكن طريقة خدمته تتغير، والهدف لا يتغير، لكن الأدوات التي نستخدمها للوصول إليه يجب أن تكون قابلة للتطور.
وهذا ينطبق على السياسة والدبلوماسية والجيش والإعلام والثقافة، كما ينطبق على بناء القدرات والمؤسسات.
ـ الحلفاء بين الوفاء والواقعية
في هذا الجانب، تبدو إحدى مقولات الشهيد الولي شديدة الأهمية، حيث يقول فيها: «تتشكل الرابطة من الناحية العلمية على أساس المصلحة، وعليها تتقوى وتنمو، وكلما كبرت المصلحة المشتركة كانت الرابطة أقوى، وكلما كانت المصلحة أقل ضعفت الرابطة.. معناه أن الرابطة ليست مجردة تتحدد خيالياً أو عاطفياً».
وهذه قراءة واقعية منه، رحمه الله، لطبيعة العلاقات، فالتحالفات مهمة، والحلفاء مهمون، لكن العلاقات السياسية لا تقوم على العاطفة وحدها.
فالمصالح تحكم الدول، والمصلحة المشتركة هي التي تمنح العلاقة قدرتها على الاستمرار.
ولهذا علينا أن نكون واضحين مع حلفائنا، وأن نعرف ما نحتاجه منهم، وأن نعرف في الوقت نفسه ماذا نستطيع أن نقدم.
نحتاج إلى تقوية تحالفاتنا، وإلى توظيفها لسد النقائص وتحقيق المكتسبات الممكنة.
لكن لا ينبغي أن يتحول الحليف إلى بديل عن الذات.. فالتحالف الأقوى هو الذي يجد أمامه طرفاً يعرف ماذا يريد، ويمتلك من القوة الذاتية ما يجعله شريكاً لا مجرد طالب للمساعدة.
ـ لا يكفي أن نراهن على عدالة القضية
عدالة قضيتنا حقيقة، والشرعية الدولية عنصر مهم، والحلفاء عنصر مهم، والعمل السياسي والدبلوماسي عنصر مهم؛ لكن لا يمكن أن نجعل أياً من هذه العناصر بديلًا عن بناء الذات.
فالحق يحتاج إلى من يدافع عنه، والشرعية تحتاج إلى من يحسن استثمارها، والحليف يحتاج إلى شريك قادر، والدبلوماسية تحتاج إلى مؤسسات وكفاءات، والقضية تحتاج إلى شعب قوي.
ولهذا لا ينبغي أن نبقى أسرى لفكرة أن الزمن سيحل المشكلة وحده، أو أن عدالة القضية ستفرض النتيجة في النهاية دون أن نطور قدرتنا على التأثير.
لقد أثبتت التجربة أن الاحتلال لم يصل إلى مبتغاه النهائي، لكن التجربة نفسها تقول إن الصراع طويل، وإن الخصم يقرأ الزمن، وإن علينا أن نقرأه نحن أيضاً؛ علينا أن نقرأ الماضي، وأن نفهم الحاضر، وأن نستشرف المستقبل، القريب والبعيد.
ـ من سياسة الدفاع إلى صناعة المبادرة
طول الصراع يمكن أن يجعلنا أسرى لرد الفعل، حيث يحدث شيء فنرد، يصدر موقف فنعلّق عليه، تقع أزمة فنحاول احتواءها… وهكذا يصبح الزمن سلسلة من ردود الأفعال.
والأصح، أن الشعوب التي تخوض صراعات طويلة تحتاج إلى المبادرة؛ والمبادرة لا تعني جانباً واحداً فقط، بل يمكن أن تكون سياسية، ودبلوماسية، وعسكرية، وإعلامية، وثقافية، واجتماعية ومؤسساتية.
يجب أن نكون نحن من يطرح الأسئلة، ومن يصنع الملفات، ومن يبادر إلى النقاش، وأن نكون قادرين على التأثير بدل الاكتفاء بالاستجابة.
وفي المجال الدفاعي والعسكري، فإن تطور طبيعة الصراعات يفرض بدوره تحديث القدرات، وعدم البقاء أسرى للأنماط التقليدية؛ ليس المطلوب تكرار ما كان، وإنما فهم ما أصبح عليه العالم، وتطوير ما يمكن تطويره ضمن الإمكانات والواقع والقواعد القانونية والإنسانية. فالأداة التي كانت صالحة في زمن معين ليست بالضرورة كافية في زمن آخر.
ـ قطاعاتنا الحيوية هي جزء من المعركة
إذا أردنا تقوية الداخل، فلا بد من ترتيب واضح للأولويات، الجيش، التعليم، الصحة، الإعلام والثقافة؛ مع الأخذ بالحسبان أن هذه ليست قطاعات متفرقة، بل هي منظومة واحدة لبناء مجتمع قادر.
فالجيش القوي يحتاج إلى تعليم وتكوين، والمجتمع المتعلم يحتاج إلى صحة، والتعليم والصحة يحتاجان إلى إعلام وثقافة يحافظان على الإنسان وهويته.. والإعلام نفسه يحتاج إلى كفاءات تعرف كيف تخاطب العالم الجديد.
ولهذا فإن النهوض بهذه القطاعات يجب أن يكون في صلب أي مراجعة وطنية جادة.
ـ الشباب.. المعركة التي لا يجوز أن نخسرها
إذا كان العدو قد أدرك أهمية الزمن، فمن الطبيعي أن يدرك أهمية الشباب. والشباب في أي مجتمع هم القوة الأكثر قابلية لصناعة المستقبل، لكنهم أيضاً الأكثر تعرضاً للضياع إذا لم يجدوا ما يربطهم بالمستقبل.
لقد واجه شعبنا، ويواجه، ظواهر اجتماعية لا ينبغي التقليل من خطورتها، المخدرات، التهجير، الفراغ… وغيرها من الظواهر التي يمكن أن تستنزف المجتمع من الداخل.
ولا يمكن محاربة هذه الظواهر بالشعارات فقط، بل إننا نحتاج إلى بدائل، إلى تعليم أفضل، إلى تكوين مهني، إلى الرياضة والثقافة، إلى فضاءات للإبداع، إلى مشاركة حقيقية، والأكثر من هذا، إلى شعور بأن للشاب مكاناً ودوراً في مشروعه الوطني.
وهذا يجب أن ينطبق، كل بحسب ظروفه، على الشباب في كل مواقع الفعل والنصال، في مخيمات اللاجئين، وفي الأرض المحتلة، وفي المهجر.
ـ المؤتمر الـ17.. محطة مفصلية
من هنا، فإن المؤتمر الشعبي العام السابع عشر للجبهة لا ينبغي أن يمر كاستحقاق تنظيمي عادي، ينبغي أن يكون محطة مفصلية، للمراجعة والمصارحة، ومحطة لفتح المجال أمام الأجيال الجديدة، ولإعادة تقييم المؤسسات والأدوات.. والأكثر محطة لطرح الأسئلة التي ربما تأخرنا في طرحها (ما الذي تحقق؟ ما الذي لم يتحقق؟ لماذا؟ ما الذي تغير من حولنا؟ ما الذي تغير في داخلنا؟ ما الذي يجب أن يبقى؟ ما الذي يجب أن يتغير؟ وكيف نريد أن نكون بعد سنوات؟).
لكن أهمية المؤتمر لا تبدأ يوم انعقاده، وإنما تبدأ من اللحظة التي يبدأ فيها التحضير له. فنحن أمام استحقاق تقترب مواعيده، وستنطلق أعمال لجنته التحضيرية قريبا جدا، ثم الندوات السياسية التي يفترض أن تكون من أهم مساحات النقاش الوطني والتنظيمي التي تسبق المؤتمر.
فالندوات ليست مجرد محطة إجرائية في الطريق إلى المؤتمر، وإنما هي، إذا أردنا أن تؤدي وظيفتها الحقيقية، إحدى الركائز الأساسية التي تسمح للمجتمع بأن يناقش انشغالاته، وللمناضلين بأن يطرحوا تصوراتهم، وللمؤتمر في النهاية بأن يستقبل خلاصات هذا النقاش في صورتها الأكثر نضجاً.
ومن هذه المساحات أيضاً تتشكل إرادة القاعدة، ويُنتخب المؤتمرون، وتُطرح الترشيحات التي ستصل إلى المؤتمر.
وعليه، فإن المشاركة لا ينبغي أن تبدأ في الأيام الأخيرة المخصصة للإنتخاب، بل إن المشاركة الحقيقية تبدأ من الآن.
وهنا تحديدًا تقع مسؤولية الشباب والمثقفين وسائر الكفاءات التي يفترض أن تكون في مقدمة المجتمع. المطلوب منهم ألا ينتظروا اللحظة الأخيرة لكي يظهروا في الميدان، وألا تختزل علاقتهم بالمؤتمر في أيام الانتخاب، أو في الدعاية لهذا المرشح أو ذاك.
لقد جرت، في بعض المؤتمرات السابقة، خاصة الأخيرة منها، ممارسات تجعل البعض يبقى بعيداً عن النقاش والميدان طوال فترة التحضير، ثم يظهر في الأيام الأخيرة محاولاً التأثير في النتائج أو دعم أسماء بعينها، قبل أن يعود بعد انتهاء المؤتمر إلى التساؤل عن أسباب عدم مجيء النتائج وفق ما كان يتمنى.
وهذه الطريقة لا تساعد على بناء مؤسسات أقوى، ولا تمنح المجتمع فرصة حقيقية للتعبير عن أولوياته.
الأجدى أن يكون الحضور من البداية، وأن يشارك الشباب والمثقفون في الندوات، وأن ينزلوا إلى القواعد الشعبية، وأن يستمعوا إلى المواطنات والمواطنين، وأن يحملوا انشغالاتهم إلى النقاش العام، وأن يساهموا في بلورة المقترحات والحلول، وأن يمارسوا حقهم في الاختيار على أساس البرامج والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
بهذا المعنى يصبح المؤتمر ملكاً للشعب كله، لا مجرد موعد تنظيمي ينتظر فيه الجميع نتائج الصندوق.
والمؤتمر الذي يخشى الأسئلة الصعبة قد يفوت أهم فرصة فيه.
أما المؤتمر الذي يفتح الباب أمام النقد والمراجعة والتجديد، ويبدأ ذلك منذ مراحل التحضير الأولى، فقد يتحول إلى نقطة بداية لمرحلة جديدة مختلفة.
والأهم أن المشاركة في هذا الاستحقاق ينبغي ألا تكون منفصلة عن الحياة اليومية للقواعد الشعبية؛ فكلما كان الشباب والمثقفون والكفاءات أقرب إلى المواطنات والمواطنين، وأكثر حضوراً في المؤسسات والقطاعات والمجالات المختلفة، كان بإمكانهم أن يفهموا حقيقة الانشغالات وأن ينقلوها بصورة أفضل إلى النقاش الوطني.
إن القاعدة لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها من بعيد بقدر ما تحتاج إلى من يعيش بينها، ويستمع إليها، ويشرح لها، ويقنعها، ويشاركها المسؤولية.
ومن هنا، فإن المؤتمر الشعبي العام الـ17 يمكن أن يكون فرصة لاختيار أشخاص فقط، وإنما لاختيار طريقة جديدة في العمل أيضًا، طريقة تجعل المشاركة مستمرة، والنقاش مبكراً، والمسؤولية جماعية، والقاعدة الشعبية حاضرة منذ البداية إلى النهاية.
ـ هل كان الولي يتنبأ؟
عندما نعود اليوم إلى بعض مقولات الشهيد الولي مصطفى السيد، رحمه الله، قد يبدو لنا أن الرجل كان يرى المستقبل؛ لكن يمكن أن تكون المسألة أعمق من ذلك؛ فهو لم يكن يعلم الغيب، بل كان يقرأ الواقع فقط، وكان يفهم طبيعة الصراع، ويضع الشعب في قلب المعادلة، ويعرف أن القوة الذاتية أساس، ويدرك أن التحالفات تحكمها المصالح، وكان يعرف أن الوحدة ضرورة، ويدرك أن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تكون سبباً للتوقف.
ولهذا تبدو بعض أقواله اليوم وكأنها أسئلة صيغت قبل عقود لتصل إلينا الآن.. قيمتها ليست فقط في أنها قيلت في السبعينيات، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في كونها تنتمي إلى طريقة تفكير تحاول استشراف ما وراء اللحظة.
وهذا هو الدرس الذي نحتاج إليه، أن نقرأ الواقع لا أن نكتفي بوصفه، ونستشرف المستقبل لا أن ننتظر مفاجآته، ونصنع الشروط بدل انتظارها.
ـ الوفاء الحقيقي للتضحيات
ربما يكون من السهل أن نحتفي بالماضي، ونستحضر أسماء الشهداء، ونتذكر الملاحم، ونستعيد صور البدايات.. وكل ذلك حق وواجب.
لكن الوفاء الحقيقي لمن سبقونا لا يكون فقط في تخليد ذكراهم، وإنما في أن نكون قادرين على مواصلة ما بدأوه بأدوات عصرنا.
جيل التأسيس لم ينتظر أن تكون الثورة ممكنة بكل المعايير، بل جعلها ممكنة. ولم ينتظر أن تكون القوة موجودة، بل بناها. ولم ينتظر أن يكون الشعب منظماً، بل عمل على تنظيمه.
واليوم، نحن أمام مسؤولية مختلفة؛ لدينا تجربة طويلة، ومؤسسات، وكفاءات، وأجيال جديدة، ومعرفة أكبر، وعلاقات أوسع.
لكن لدينا أيضاً تحديات لم تكن موجودة بالطريقة نفسها.. ولهذا لا يمكن أن تكون مهمتنا مجرد المحافظة على ما ورثناه، بل إنه يجب علينا تطويره.
ـ خلاصـــة
أخيراً وليس آخراً، الوفاء لمن أسسوا للبدايات، وفجروا الثورة وناضلوا واستشهدوا من أجل القضية، لا يكون بتكرار ما قالوه، بل بامتلاك شجاعتهم في مواجهة الواقع وصناعة الممكن؛ ورهان العدو على الزمن لن يُهزَم بالأمنيات، وإنما بشعب أقوى، ومؤسسات تتجدد، وشباب يتقدم، وجرأة على مصارحة الذات وتصحيح المسار.
فالقضية العادلة تحتاج إلى إرادة تحميها، وقوة تحملها، وعقل يستشرف
مستقبلها. والمؤتمر الـ17 ليس محطة للاحتفال بما أنجزناه، بل فرصة لنقرر بصدق، ماذا نُبقي، ماذا نُصحح، وماذا نصنع من أجل المستقبل.
