بقلم : عبد الله ولدبونا //مفكر وخبير استراتيجي
17آغشت 2026
آخر أخبار روسيا أنها تعرضت لضربات بأكثر من 600مسيرة أوكرانية ، خاصة موسكو
والمسيرات الأوكرانية ضربت بعيدا في العمق الروسي.
وشهد الشرق الأوسط حرب مسيرات معقدة ، أدخلتها كل الأطراف للخدمة في معارك مربكة للجميع.
وتنشط المسيرات القتالية والاستطلاعية في حروب دول جنوب الصحراء وفي ليبيا والسودان
ويعتمد المغرب عليها في تنفيذ عمليات ضد جيش التحرير الصحراوي
حركات مقاتلة عديدة في الشرق الأوسط توظفها في عمليات تضرب في العمق.
فماذا لو أدخلت جبهة البوليساريو سلاح المسيرات المسنود بخوارزميات أكثر ذكاء؟
الأكيد أن العالم يشهد تحولات استراتيجية كبرى ، لن يظل إقليمنا بعيدا عنها.
وإذا كانت الدول الأقوى عسكريا في حيرة استراتيجية بسبب اختراق المسيرات لعمقها فكيف سيكون حال دول أكثر هشاشة أمنية؟
نادراما استطاعت تقنية عسكرية أن تحدث تحولا استراتيجيا عميقافي زمن قصير كما فعلت المسيّرات.
فمنذ اختراع البارود، مرورا بالطائرة والدبابة وحاملة الطائرات، ثم السلاح النووي، كانت كل ثورة تقنية تعيد توزيع النفوذ بين الدول.
واليوم يبدو أن العالم يقف أمام ثورة جديدة لا تقل أهمية، لكنها تختلف عن سابقاتها في أنها أقل تكلفة، وأكثر انتشارا وأسرع تطورا
لم تعد المسيّرات مجرد وسيلة للاستطلاع أو تنفيذ ضربات دقيقة، بل أصبحت أداة تعيد صياغة مفهوم القوة العسكرية، وتغير حسابات الردع، وتفرض على الدول مراجعة عقائدها القتالية واستثماراتها الدفاعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن مدى التغيير الذي ستفرضه المسيرات في الحروب؟ بل إلى أي مدى ستغير المسيرات النظام الدولي نفسه؟
إن كل استحكامات الدول الدفاعية قابلة للاختراق نظريا ، وكل سلاسل البنى التحتية وسلاسل التوريد ومفاصل الاقتصاد قابلة للاستهداف ، فمن يؤمن من ؟ وكيف؟
وهل تتحمل دول بعينها استهداف مصادر دخلها.
لقد انتهى عصر احتكار القوة.
فعلى مدى عقود، كان امتلاك القوة العسكرية يتطلب اقتصادا ضخما وقاعدة صناعية متقدمة، لذلك احتكرت القوى الكبرى التفوق العسكري. أما اليوم فقد بدأت المسيرات تكسر هذا الاحتكار تدريجيا وبصورة صادمة ، في حروب غير متناظرة تتعرض فيها كل شبكات الدفاع الجو لإشباع وإنهاك بالإغراق الجوي
وقد أثبتت النزاعات الحديثة في مناطق متعددة من العالم أن منصات منخفضة الكلفة نسبيا يمكنها إرباك جيوش تمتلك منظومات دفاعية بمليارات الدولارات، وأن القدرة على الابتكار قد تتفوق أحيانا على ضخامة الإنفاق العسكري الضخم.
إننا أمام انتقال تاريخي من "اقتصاد القوة" إلى "اقتصاد الكفاءة"، حيث يصبح السؤال من يستخدم التقنية بذكاء؟ لا من ينفق أكثر؟
الحرب الخوارزمية
إن الثورة الحقيقية لا تكمن في المسيّرة نفسها، بل فيما يقودها.
فالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والاستشعار المتقدم، والحرب الإلكترونية، والاتصالات الآمنة، أصبحت جميعها مكونات لسلاح واحد.
ومع تطور هذه التقنيات ستتحول المسيّرات إلى أسراب منسقة، تتبادل المعلومات لحظيا وتعيد توزيع المهام فيما بينها، وتتكيف مع ظروف المعركة بصورة غير مسبوقة.
لتنتقل الحروب من مواجهة المعدات إلى مواجهة الخوارزميات؛ حيث تصبح البرمجيات، وجودة البيانات، وسرعة اتخاذ القرار عوامل قد تفوق أهمية عدد الدبابات أو الطائرات.
وفي جبهات القتال التقليدي أو الحرب غير المتناظرة تعد قنوات الاتصال عاملا حاسما وخطيرا يحدد مدى الفاعلية
لقد انهارت معادلة الكلفة تماما ،
فمن أبرز ما أحدثته المسيّرات أنها قلبت معادلة الإنفاق العسكري.
فقد تجد دولة نفسها مضطرة لاستخدام صاروخ اعتراضي مرتفع الثمن لإسقاط هدف زهيد الكلفة. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الاستنزاف الاقتصادي جزء من استراتيجية الحرب، وليس مجرد نتيجة لها.
ولذلك أصبح التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد وسائل دفاع مستدامة اقتصاديا، سواء عبر الحرب الإلكترونية، أو الأسلحة الموجهة بالطاقة، أو أنظمة الاعتراض منخفضة الكلفة.
دروس من النزاعات الحديثة
كشفت الحروب والنزاعات خلال السنوات المنصرمة أن المسيّرات لم تعد سلاحا ثانويا فهي عنصررئيسي في الاستطلاع، والاستهداف، والتشويش، وحتى في تغيير مسار العمليات العسكرية.
كما أثبتت التجارب أن امتلاك معدات متطورة وحده لا يكفي، إذا لم يكن مصحوبا بقدرة على التكيف السريع، والتطوير المستمر، ودمج التقنيات الحديثة في العقيدة العسكرية.
لقد أصبحت ميادين القتال مختبرات مفتوحة للتكنولوجيا، وكل نزاع يفرز جيلاجديدامن الابتكارات بوتيرة غير مسبوقة.
إن المستقبل سيكون للجيوش القادرة على الدمج بين الإنسان والآلة، وبين المسيّرات والطائرات المأهولة، وبين الذكاء الاصطناعي والاستخبارات والحرب الإلكترونية ضمن منظومة عمليات متكاملة.
العالم اليوم يشهد سباقا محموما لا يقتصر على إنتاج المسيّرات، بل يشمل السيطرة على الرقائق الإلكترونية، والمحركات، والبطاريات، وأشباه الموصلات، والبرمجيات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين الجيوش، بل بين الجامعات، ومراكز البحث، والشركات التكنولوجية، وسلاسل الإمداد العالمية.
إن من يمتلك المعرفة يمتلك مستقبل القوة..
ومع تعثر جهود السلام في الصحراء الغربية ، وتوظيف المغرب للميسرات في الحرب ضد البوليساريو ، لا يستعبد مراقبون وخبراء كثر في الشأن المغاربي أن تدخل المسيرات الصحراوية الميدان ...فالمسألة مسألة وقت وقرار إذا اتخذ فستكون له تداعيات أخطر ليس على المغرب وحده بل على الإقليم الأورو متوسطي كله.
فهل سيفعلها الصحراويون ....
