أثار تصريح القيادي في جبهة البوليساريو، عبد القادر الطالب عمر، حين قال: "إن كنا سنتخلى عن الحدود، فقد نتخلى عنها لموريتانيا"، حالة من الدهشة والاستغراب، ليس لأنه مجرد زلة لسان عابرة، بل لأنه يلامس جوهر القضية الصحراوية، ويفتح بابًا لتأويلات لا ينبغي أن تصدر عن شخصية سياسية راكمت سنوات طويلة من المسؤولية الوطنية.
فالقضية الصحراوية، في جوهرها، ليست قضية حدود بين دول، ولا نزاعًا حول إعادة توزيع المجال الجغرافي، وإنما هي قضية شعب يناضل من أجل حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره والسيادة على أرضه. ولذلك، فإن الحديث عن إمكانية التخلي عن الحدود لصالح أي طرف آخر لا ينسجم مع الأساس الذي قامت عليه القضية منذ انطلاقة الكفاح الوطني، لأنه ينقل النقاش من حق ثابت وأصيل إلى فرضيات سياسية تمس جوهر القضية، وتفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم الرواية الوطنية، ولا تنسجم مع تضحيات آلاف الشهداء والأسرى والجرحى الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الأرض والكرامة.
وما يثير الدهشة أكثر هو أن يصدر مثل هذا الطرح عن قيادي يفترض فيه أن يدرك حساسية الكلمة وخطورة الرسائل السياسية. فالسياسة ليست مجرد حديث مرتجل، والكلمات في القضايا الوطنية ليست آراء شخصية، بل مواقف تُقرأ داخليًا وخارجيًا، وقد تُستغل من قبل الخصوم أو تُحدث ارتباكًا داخل الصف الوطني.
وإذا كان المقصود من التصريح معنى آخر، فإن الصياغة جاءت ملتبسة إلى حد يسمح بتفسيرات تمس ثوابت القضية. ففي العمل السياسي لا تُقاس التصريحات بالنوايا، وإنما بما يصل إلى الرأي العام من رسائل ومعانٍ.
لقد دفع الشعب الصحراوي ثمنًا باهظًا دفاعًا عن أرضه، ولم تكن تلك التضحيات من أجل أن تتحول أرض الشهداء إلى موضوع افتراضات سياسية، أو أن تُطرح إمكانية التنازل عنها لأي طرف كان، تحت أي مبرر أو قراءة سياسية. فالأرض، في الوعي الوطني الصحراوي، ليست محل اجتهادات ظرفية، وإنما هي حق تاريخي وقانوني وسياسي لا يملك أحد حق التصرف فيه أو الحديث عنه خارج إرادة الشعب الصحراوي.
والأخطر من مضمون التصريح أنه يعكس، إن صح فهمه، أزمة في الخطاب السياسي. فالقائد مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يكون حارسًا للثوابت، لا أن يثير حولها علامات استفهام. كما أن المرحلة التي تمر بها القضية الصحراوية، بما تحمله من تحديات وتحولات إقليمية ودولية، تستدعي خطابًا واضحًا، متزنًا، ودقيقًا، لا يترك مجالًا للالتباس أو التأويل.
ومن حق الرأي العام الصحراوي أن يتساءل: هل كان هذا التصريح مجرد اجتهاد غير موفق؟ أم أنه يعكس تصورًا سياسيًا جديدًا؟ وإذا كان مجرد خطأ في التعبير، فمن الواجب توضيحه وتصحيحه، لأن الصمت أمام مثل هذه التصريحات لا يخدم القضية، بل يفتح الباب أمام قراءات قد تسيء إليها أكثر مما تنفعها.
إن القضايا العادلة لا تضعفها قوة خصومها بقدر ما يضعفها ارتباك خطاب أصحابها. فحين تختل البوصلة السياسية، تصبح الكلمة غير المحسوبة أخطر من أي مواجهة، لأنها تمس الثقة في وضوح المشروع الوطني.
لقد علمنا الشهيد الولي مصطفى السيد أن الأرض لا تُوهب، ولا تُقايض، ولا تُطرح في سوق الاحتمالات السياسية، وإنما تُصان بالإيمان بعدالتها وبالتشبث بحق أصحابها فيها. ومن هنا، فإن أي خطاب يلامس هذه الثوابت دون دقة أو وضوح، يستوجب المراجعة، لا حفاظًا على الأشخاص، وإنما صونًا للقضية التي ارتوت بدماء الشهداء.
إن مسؤولية القيادات السياسية ليست فقط في الدفاع عن القضية، بل في حسن التعبير عنها. فالكلمة قد تبني موقفًا، وقد تهدم سنوات من التراكم السياسي. ولذلك، فإن الواجب الوطني يقتضي أن يكون الخطاب السياسي على قدر تضحيات الشعب الصحراوي، وأن يظل وفيًا للثوابت التي لا تقبل التأويل ولا الاجتهاد.
بقلم:سلامة مولود اباعلي
