القائمة الرئيسية

الصفحات

من قلب الزنزانة... النعمة الأسفاري يدقُّ مسمارًا في نعش الاحتلال

                           


"ها نحن ندقُّ مسمارًا في نعش الاحتلال، بعد ملحمة اكديم إزيك."
لم تكن هذه الكلمات صدىً عابرًا من زنزانة معتمة، بل كانت إعلانًا مدويًا خرج من قلب الأسر، يحمل تحديَ رجلٍ جعل من صموده رسالة، ومن معاناته شهادةً على أن إرادة الشعوب لا تُسجن.

إنها كلمات المعتقل السياسي الصحراوي النعمة الأسفاري، أحد رموز مجموعة اگديم إزيك، الذي يخوض معركةً قاسيةً بأمعائه الخاوية، مؤكدًا أن الإنسان قد يُحاصر في المكان، لكنه لا يُحاصر في إرادته، وأن السجن مهما طال لا يستطيع أن ينتصر على فكرة يؤمن بها صاحبها.

لقد أراد الاحتلال أن تكون الزنازين جدرانًا للنسيان، وأراد للأحكام القاسية والقيود أن تكون نهاية الطريق، فإذا بها تتحول إلى صفحات جديدة في سجل الصمود والمقاومة، وإلى شهادة على أن القمع لا يطفئ الأفكار، بل يمنحها مزيدًا من القوة والانتشار.

وفي ذاكرة الشعوب التي خاضت معارك الحرية، تظل أسماء الرجال الذين حوّلوا السجون إلى منابر للكرامة محفورةً في وجدان الإنسانية. وكما خلّد العالم نيلسون مانديلا رمزًا خالدًا للنضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، فإن النعمة الأسفاري يكتب اليوم صفحةً جديدة في سجل الصمود بالصحراء الغربية المحتلة؛ فهو مانديلا الصحراء الغربية، الرجل الذي أرادوا أن يحاصروا صوته خلف القضبان، فإذا به يتحول إلى رمزٍ للصمود، وإلى عنوانٍ لمعركة شعب متمسك بحقه في الحرية والكرامة.

إن ملحمة اگديم إزيك لم تكن حدثًا عابرًا في ذاكرة الشعب الصحراوي، بل كانت محطةً مفصلية كشفت للعالم قوة الإرادة الشعبية، وأثبتت أن السجون لا تستطيع محو آثار الأحداث التي تهز الضمير، وأن القضايا العادلة لا تُدفن تحت ركام القمع.

ومن هنا تأتي دلالة كلمات النعمة الأسفاري؛ فهي ليست مجرد تحدٍّ للسجان، بل رسالة بأن روح تلك الملحمة ما زالت حاضرة، وأن الرجال الذين حملوا مسؤولية الموقف لم تنحنِ رؤوسهم أمام القيد، ولم يتراجعوا أمام الألم.

إن الإضراب عن الطعام الذي يخوضه الأسير النعمة الأسفاري هو أقسى أشكال الاحتجاج السلمي، حين لا يبقى للإنسان سوى جسده ليضعه في مواجهة الظلم، وحين يتحول الجوع إلى صوتٍ صارخ يطالب بالكرامة والعدالة.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف على وضعه الصحي، فإن الصمت الدولي أمام معاناة الأسرى يشكل جرحًا آخر في جسد العدالة الإنسانية. فحقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون انتقائية، والكرامة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الجغرافيا أو الحسابات السياسية.

إن النعمة الأسفاري، وهو يقف خلف القضبان، يخوض اضرابا عن الطعام لمدة 47 يوما بالتمام والكمال،  يثبت أن السجن قد يعزل الإنسان عن العالم، لكنه لا يستطيع عزل صوته، وأن القيود قد تمنع الحركة، لكنها لا تمنع الفكرة من الانتشار.

لقد اختار أن يجعل من جسده رسالة، ومن صمته خطابًا، ومن صبره موقفًا. ولذلك فإن معركته ليست معركة أسير واحد، بل صورة تختزل معاناة كل من حملوا قضية الحرية والكرامة إلى داخل الزنازين.

فليدرك الاحتلال أن التاريخ لا يكتب بأحكام السجون، ولا بقوة القيد، وإنما بإرادة الرجال الذين يصمدون عندما تُغلق الأبواب، ويثبتون عندما يراهن الآخرون على الانكسار.

ولهذا ستبقى عبارة النعمة الأسفاري علامةً على مرحلة كاملة:

"ها نحن ندقُّ مسمارًا في نعش الاحتلال."
فمن قلب الزنزانة خرج الصوت، ومن خلف القضبان ارتفعت الرسالة، ليؤكد أن إرادة الإنسان أقوى من السجن، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها قد تتألم، لكنها لا تستسلم.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...