4 يوليو، 2026
في ظل التحديات الأمنية والسياسية والفكرية التي تشهدها القارة الإفريقية، يبرز تعزيز ثقافة الحوار والتعايش السلمي كأحد أهم المداخل لترسيخ الاستقرار وبناء السلم المستدام.
وتُعد الجزائر، بما تمتلكه من رصيد تاريخي ودبلوماسي وتجربة رائدة في المصالحة الوطنية، من أبرز الفاعلين الداعمين للمقاربات الإفريقية في تسوية النزاعات وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
وفي هذا الإطار، حاورت “الجزائر اليوم” الباحثة الأكاديمية المتخصصة في مقارنة الأديان، وعضو اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان والثقافات،
وعضو شبكة “فام وايز إفريقيا”، الدكتورة فيروز بيبي، التي تناولت مكانة الجزائر في ترسيخ السلم، وأهمية الدبلوماسية الدينية، وآفاقط تعزيز الحوار والتعايش داخل القارة الإفريقي
الجزائر اليوم: الجزائر كفاعل إقليمي في ترسيخ السلم: على ماذا يستند هذا الدور؟
فيرزو بيبي: لا ينطلق الدور الجزائري في إفريقيا من فراغ سياسي أو طموح عابر، بل هو انعكاس لنهج متجذر في التاريخ الدبلوماسي الوطني، يُعرف بـ «عقيدة عدم الانحياز الإيجابي».
يستند هذا الدور إلى ركيزتين؛ الأولى هي «المصداقية الأخلاقية» المكتسبة من خلال دعم حركات التحرر الإفريقية، مما منح الجزائر شرعية تاريخية استثنائية.
والثانية هي «عقيدة السيادة» التي تضع مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية» كخط أحمر غير قابل للتفاوض، وهو المبدأ الذي تفتقده العديد من القوى الدولية التي تتدخل في إفريقيا تحت غطاء المساعدات.
الجزائر لا تتحرك وفق تقلبات المصالح الظرفية، بل بناءً على رؤية أمنية تدرك أن استقرار البلاد جزء لا يتجزأ من استقرار منطقة الساحل والجوار الإفريقي.
هذا يجعل التحرك الجزائري يتسم بالثبات، والموثوقية العالية لدى الفرقاء، والقدرة على الانخراط في أزمات معقدة دون التحول إلى طرف في الصراع، مما يعزز المكانة كـ «وسيط نزيه» و«صوت للحكمة» يحظى بإجماع إفريقي.
الجزائر اليوم: ما الذي يميز المقاربة الجزائرية في حل النزاعات الإفريقية عن المقاربات الدولية الأخرى؟
فيرزو بيبي: تتسم المقاربة الجزائرية بما يمكن وصفه بـ «الواقعية الميدانية»؛ فهي ترفض اختزال النزاعات في أطر أمنية صماء، بل تتعامل معها كأزمات مركبة تتقاطع فيها العوامل القبلية، والاقتصادية، والسياسية.
بينما تميل المقاربات الدولية إلى فرض «حلول جاهزة» قائمة على أجندات خارجية لا تراعي الخصوصية الثقافية للمجتمعات، تعتمد الجزائر على «الملكية الإفريقية للحل».
هذه المنهجية تقوم على الإنصات الصبور لجميع المكونات، والعمل على بناء التسويات من الداخل عبر حوار شامل لا يقصي أحداً. الميزة تكمن في «الصبر الاستراتيجي»؛
فالجزائر لا تسعى لقطف ثمار سياسية سريعة، بل تدرك أن هندسة السلام في بيئة متنوعة تتطلب بناء الثقة حجراً بحجر، وهو ما يجعل اتفاقيات السلام التي ترعاها الجزائر الأكثر صموداً في وجه الضغوط.
الجزائر اليوم: كيف ساهمت الوساطات الجزائرية في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء؟
فيرزو بيبي: تعتمد الوساطة الجزائرية على منهجية «تيسير الحوار» التي تلتزم بمسافة واحدة من الجميع، مع الحرص على توفير بيئة تفاوضية تتسم بالحيادية والسرية.
في اتفاق السلم والمصالحة في مالي (2015)، ركزت الجهود على صياغة أطر قانونية وتنظيمية مقبولة من الجميع، تهدف لتعزيز الاستقرار المؤسساتي وتنمية المناطق المعنية، مع احترام سيادة الدولة.
وفي الوساطة بين إثيوبيا وإريتريا (2000)، استند العمل إلى المرجعيات القانونية الدولية، مما وفر أساساً فنياً لإنهاء النزاع. المساهمة الأساسية تكمن في توفير «قنوات اتصال» فنية مستمرة، وطرح مقترحات متوازنة تتماشى مع مبادئ القانون الدولي، بعيداً عن أي محاولة لفرض رؤى أحادية الجانب.
الجزائر اليوم: كيف يمكن للدبلوماسية الدينية أن تدعم الجهود السياسية في بناء السلام داخل القارة؟
فيرزو بيبي: لا يتعلق دور الدبلوماسية الدينية بممارسة ضغوط، بل بالجانب المعرفي والتوعوي لتعزيز ثقافة التعايش. يمكن لهذه الدبلوماسية أن تساهم بفاعلية في إثراء النقاش حول قيم التسامح ونبذ العنف،
من خلال تقديم قراءات موضوعية تدعم الاعتدال. يتم هذا عبر مسارين: أولاً، تبادل الخبرات الأكاديمية والفقهية بين المؤسسات في القارة،
مما يعزز الحوار حول قضايا التعايش والمواطنة. ثانياً، دعم المبادرات التي تبرز القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين مختلف الأطراف،
مما يخلق بيئة إيجابية تدعم جهود السلام الرسمية. إن هذا الجهد يظل في إطار التعاون العلمي الرصين، الذي يهدف إلى توضيح المفاهيم وتعزيز الفهم المتبادل، مما يصب في النهاية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي الذي تتطلع إليه الشعوب.
الجزائر اليوم: كيف يمكن لتجربة المصالحة الوطنية الجزائرية أن تُلهم الدول الإفريقية؟
فيرزو بيبي: تُعد تجربة المصالحة الوطنية الجزائرية نموذجاً عملياً ومستقلاً لإنهاء الأزمات الداخلية المعقدة، وهي فلسفة متكاملة قامت على مبدأ أن السلام قرار سيادي شجاع يتطلب إرادة وطنية للعبور نحو الاستقرار.
إن استلهام هذه التجربة إفريقياً لا يعني استنساخاً حرفياً، بل تبني الروح التي قامت عليها؛ وهي روح تتجاوز منطق المنتصر والمهزوم لتؤسس لمنطق «الدولة للجميع»، حيث يتم وضع مصلحة الأمة فوق أي اعتبارات فئوية.
ويمكن للدول الإفريقية استلهام هذه التجربة عبر فهم آليات إدارة ملفات الذاكرة والمظالم التي أثبتت نجاعتها، إذ تُلهم التجربة الدول في كيفية الموازنة بين ضرورة كشف الحقيقة وجبر الضرر وبين الحفاظ على التماسك الاجتماعي،
مع التركيز على عدالة تستهدف شفاء الجروح الوطنية بدلاً من إبقائها مفتوحة للتوظيف السياسي. إن هذا النهج يعلم القادة أن الحلول الناجعة للأزمات هي تلك التي تُصنع بقرار وطني نابع من تفاهمات محلية،
بعيداً عن ضغوط الأجندات الخارجية التي غالباً ما تزيد من تعقيد النزاعات، فاستعادة زمام المبادرة في صياغة الحل هي الخطوة الأولى للخروج من نفق الأزمات.
بالإضافة إلى ذلك، تضع التجربة الجزائرية ركيزة أساسية في التأسيس لـ «المواطنة الجامعة»، حيث إن أهم ما استلهمه الفاعلون
هو إعادة تعريف مفهوم الدولة كمظلة جامعة لجميع أبنائها بغض النظر عن الانتماءات التي كانت يوماً سبباً في التناحر، وهذا التحول نحو المواطنة هو الطريق الوحيد لتفكيك الخطابات الإقصائية.
كما تقدم التجربة درساً في الوعي بالاستدامة، وكيفية تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم عبر إشراك كافة الأطراف في ورشة بناء الدولة، مما يحولهم من متصارعين إلى شركاء في التنمية.
إن الدول الإفريقية التي تواجه اليوم تحديات الانقسام يمكنها رؤية هذا النموذج كبرهان عملي على أن استعادة عافية الدولة ممكنة إذا ما امتلكت النخب الوعي لتجاوز دوامة الثأر، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المكاسب الظرفية.
الجزائر اليوم: كيف يسهم حوار الأديان والثقافات في منع النزاعات قبل اندلاعها؟
فيرزو بيبي: يعمل الحوار الثقافي والحضاري كآلية وقائية تجفف منابع التعصب قبل أن يتحول إلى فعل عنيف. في المجتمعات التي تعاني من توترات اجتماعية، يسهم الحوار في تفكيك الصور النمطية المتبادلة بين المكونات الثقافية والاجتماعية.
عندما يتحول الحوار إلى ممارسة يومية في المناهج التعليمية والمنابر الثقافية، فإنه يبني مناعة مجتمعية تجعل من الاختلاف
مصدراً للإثراء لا للصراع. الخصوصية الجزائرية في هذا المجال تتمثل في تقديم نموذج «المواطنة الجامعة»؛ حيث يندرج الفرد تحت مظلة الدولة والوطن فوق أي انتماءات فرعية أو ضيقة. هذا النوع من الحوار لا يكتفي بالحديث عن التعايش،
بل يرسخ قواعد للعيش المشترك تجعل خيار العنف غريباً عن الثقافة الوطنية وعن جوهر القيم الإنسانية، مما يغلق الطريق أمام أي أطراف تحاول المتاجرة بالانتماءات لإشعال الفتن.
الجزائر اليوم: ما الدور المنتظر من المؤسسات في الجزائر في نشر ثقافة التسامح داخل إفريقيا؟
فيرزو بيبي: يجب ألا تكتفي المؤسسات الجزائرية بدورها المحلي، بل عليها الانتقال إلى مرحلة العمل الدبلوماسي المؤسساتي لنشر قيم الوسطية والاعتدال.
الدور المنتظر هو تحويل هذه المؤسسات إلى مراكز إشعاع معرفي تقود مشروعاً تكوينياً عابراً للحدود: أولاً، عبر مأسسة التكوين بتقديم برامج أكاديمية تعزز ثقافة الحوار والمواطنة وتزاوج بين عمق الأصالة وفقه الواقع المعاصر.
ثانياً، تشكيل أطر فكرية تجمع نخبة العقول الجزائرية بنظرائهم الأفارقة لإصدار رؤى ومواقف موحدة تجاه قضايا التطرف والغلو،
مما يقطع الطريق على الأطراف الأجنبية التي تحاول اختراق المجتمعات الإفريقية بأفكار غريبة عن بيئتها. ثالثاً، إدارة الفضاء الثقافي من خلال ملتقيات دورية تضع خريطة طريق لكيفية إدارة التنوع في الدول الإفريقية،
لتتحول المؤسسة الجزائرية إلى مظلة فكرية تضمن استقرار المجتمعات الإفريقية بمنظور معتدل ومستنير يحترم خصوصية الشعوب.
الجزائر اليوم: كيف انعكست زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر على صورة البلاد كأرض للحوار؟
فيرزو بيبي: تلك الزيارة كانت لحظة مفصلية أثبتت للعالم أن الجزائر نجحت في بناء نموذج تعايش أصيل، يستند إلى احترام الآخر وتقدير كرامته الإنسانية.
كانت الزيارة شهادة إقرار دولية بقدرة المجتمع الجزائري على التفاعل برقي حضاري مع مختلف الفعاليات الدولية. لقد فككت هذه الزيارة الصور الذهنية النمطية التي سعت جهات إعلامية خارجية لترسيخها حول طبيعة المجتمع الجزائر.
عندما رأى العالم البابا في الجزائر، ورأى المجتمع يحتفي بهذه الزيارة برقي ووعي، أثبت الواقع أن البلاد تملك رصيداً حضارياً هائلاً من الانفتاح والقيم الإنسانية.
هذه الزيارة عززت صورة الجزائر كوجهة تحظى باحترام دولي في قضايا الحوار الإنساني، وقدمت نموذجاً واقعياً يدرسه الباحثون عن مخارج لأزمات التصادم الهوياتي التي تضرب العالم اليوم. لقد قالت الزيارة للعالم: إن أرادوا معرفة كيف يعيش الناس بسلام وكرامة، فانظروا إلى النموذج الجزائري.
الجزائر اليوم: هل عززت تلك الزيارة مكانة الجزائر في الحوار بين الأديان دولياً وإفريقياً؟
فيرزو بيبي: بكل تأكيد؛ فقد حولت الزيارة الجزائر من طرف في الحوار إلى «قطب للحوار». دولياً، أصبح رأي الجزائر في قضايا الحوار الحضاري يحظى باحترام وتقدير، مما منحها ثقلاً معنوياً يعزز الدبلوماسية.
أما إفريقياً، فقد عززت الزيارة الثقة في «النموذج الجزائري» كحل إفريقي-متوسطي مبتكر. أدركت دول إفريقية أن الجزائر تملك رصيداً تاريخياً في التعامل مع التنوع،
مما يجعلها الطرف الأقدر على صياغة «ميثاق إفريقي للحوار الديني» يحصن القارة من التوظيف الطائفي للنزاعات. هذه المكانة تفتح للجزائر آفاقاً واسعة للقيادة القارية في هذا المجال.
الجزائر اليوم: في ظل تصاعد التوتر في الساحل، ما الذي يمكن أن تقدمه الجزائر لتعزيز الأمن والسلم؟
فيرزو بيبي: تطرح الجزائر مقاربة «الأمن الشامل» التي تربط الاستقرار بالعدالة التنموية والأمن الفكري. في منطقة الساحل،
تدرك الجزائر أن الإرهاب يتغذى على «الفراغ»؛ فراغ الدولة والخدمات والأمل. يتجلى الدور الجزائري في تقديم الخبرة في إدارة الأزمات وبناء مؤسسات لا تقصي أحداً. وتطالب الجزائر بتفعيل «التنمية التشاركية» في المناطق الحدودية؛
لأن هذه المناطق هي بؤر الاستقطاب الرئيسية. الأمن الحقيقي لا يُبنى بالأسلاك الشائكة، بل بجعل الحدود مناطق تبادل اقتصادي وثقافي، مما يؤدي إلى استقرار طويل الأمد عبر التنمية.
الجزائر اليوم: كيف يمكن إشراك الشباب والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة السلام؟
فيرزو بيبي: السلام الذي لا تتبناه القواعد الشعبية يبقى هشاً. لذا، يجب الانتقال نحو «دبلوماسية المواطن». الشباب في إفريقيا ليسوا عبئاً،
بل قوة ضاغطة إذا ما أُحسن توجيههم. فعندما تتاح الفرصة للشباب للتعبير عن قيم التسامح عبر الفنون والرياضة والبحث العلمي، يتحولون من ضحايا للخطاب المتطرف إلى حراس للسلم.
هنا يأتي دور المؤسسات الجزائرية في احتضان هذه المبادرات، وتحويلها إلى قوى مؤثرة تفرض خيارات السلام. يجب تحويل المجتمع المدني من مراقب إلى فاعل وسيط في إدارة النزاعات القاعدية.
الجزائر اليوم: ما هي أبرز التحديات التي تواجه مشروع السلام في إفريقيا اليوم، وما الدور المنتظر من الجزائر؟
فيرزو بيبي: التحدي الجوهري اليوم هو «الاستقطاب الدولي» الذي يُحول القارة لمسرح تنافس يضعف الإرادة السياسية. هناك قوى تحاول تحويل أزمات الشعوب إلى حروب بالوكالة تخدم أجندات خارجية. الدور المنتظر من الجزائر،
برصيدها الأخلاقي، هو أن تظل الصوت الذي يرفض هذا «التدويل القسري» للأزمات، وأن تعمل على توحيد الجبهة الإفريقية لإعادة إحياء شعار «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية».
يجب مواصلة الدور كمحرك للعمل الإفريقي المشترك، مستلهمين روح استقلال القرار الوطني، لتمكين شعوب القارة من تقرير مصيرها بعيداً عن منطق التبعية، لتكون إفريقيا فاعلاً في النظام الدولي لا مفعولاً به.
الجزائر اليوم: هل تعتقدين أن القارة الإفريقية بحاجة إلى مبادرات جديدة للحوار برعاية الجزائر؟
فيرزو بيبي: الحاجة أكثر من ضرورية، بل هي ضرورة استراتيجية قصوى، خاصة عندما نخرج من إطار المؤتمرات الفخمة لنهتم بـ «التأطير الميداني» الذي يلامس واقع المجتمعات الإفريقية.
فالجزائر قادرة على قيادة هذه المبادرات لأنها تتمتع بـ «استقلال المبادرة»؛ فهي لا تسعى لفرض أيديولوجيا معينة أو أجندة سياسية خارجية، بل تهدف لخلق فضاء للتقارب يرتكز على قيم القارة المشتركة.
إن المبادرة المطلوبة اليوم يجب أن تتجاوز الطابع النظري لتتحول إلى «آلية تفاعلية» تتضمن ثلاثة أبعاد واقعية. أولاً، تطوير «منصة للخبرات الوطنية»،
حيث تشارك الجزائر تجاربها في إدارة ملفات التعددية الثقافية والاجتماعية مع الدول الإفريقية، ليس كنموذج جاهز للنسخ، بل كخبرة تفاوضية يمكن استلهام مبادئها في نزع فتيل التوترات العرقية أو المجتمعية.
ثانياً، بناء «شبكة للتحصين الفكري» تهدف إلى رصد الخطابات المتطرفة التي تستغل التنوع الاجتماعي في إفريقيا لإذكاء النزاعات، والعمل على تفكيكها
من خلال إنتاج محتوى فكري رصين يرتكز على قيم المواطنة والتعايش السلمي بعيداً عن أي تعصب. وثالثاً، خلق «قنوات تواصل مؤسساتية»
دائمة بين النخب الوطنية والفاعلين الاجتماعيين في مختلف الدول، لضمان استمرارية الحوار في أوقات الأزمات، وليس فقط في فترات السلم.
إن القارة اليوم بحاجة إلى «ميثاق قيم إفريقي» يستلهم قواعد العيش المشترك من التراث التاريخي للقارة، والجزائر بمرجعيتها الوسطية والاتزانية يمكنها أن تكون المحرك لهذا المشروع.
فالهدف النهائي هو تحصين الدول الوطنية من رياح الفتنة التي تتهدد كياناتها، وإعادة تفعيل دور الدولة كحاضنة جامعة للجميع، وهو مسار طويل يتطلب نفساً طويلاً وعملاً ميدانياً مباشراً بعيداً عن أي ضجيج إعلامي.
الجزائر اليوم: ما الرسالة التي يمكن أن توجهها الجزائر للعالم من خلال تجربتها في التعايش؟
فيرزو بيبي: الرسالة الجزائرية للعالم هي أن «السلام ممكن»، لكنه نضال يومي يتطلب الشجاعة والحكمة. المجتمعات التي تملك الشجاعة لتواجه آلامها،
وتتخذ قرار المصالحة بوعي وطني، هي مجتمعات قادرة على كتابة مستقبلها. تثبت التجربة الجزائرية أن تبني خيار الحوار الوطني وتغليب المصلحة العليا هو صمام الأمان الحقيقي ضد التطرف والانقسام.
وتقدم الجزائر «النموذج الوطني» كدليل على أن التماسك الاجتماعي، إذا ما أُدير بحكمة وطنية، يكون أقوى حصن ضد العنف، وأن طريق السلم هو دائماً طريق سيادة القرار الوطني.
واحترام كرامة الإنسان. السلام لا يأتي من الخارج، بل يُصنع في البيت، بالعدالة والإيمان بأن الجميع شركاء في بناء الوطن ومصيره الواحد.
المصدر: "الجزائر اليوم"
