حقق عدد من أبناء الصحراء الغربية المقيمين في إسبانيا انتصارًا قانونيًا مهمًا، بعد نجاحهم في استصدار أحكام قضائية تقضي بتصحيح البيانات المتعلقة بمكان الميلاد والأصل في ملفات طلبات الجنسية الإسبانية، بما ينسجم مع هويتهم الصحراوية والوضع القانوني الدولي للإقليم.
وجاءت هذه الأحكام عقب معارك قضائية خاضها صحراويون تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية الإسبانية عن طريق الإقامة، بعدما فوجئوا بتسجيل مكان ميلادهم بصيغة "العيون، المغرب"، وتصنيفهم باعتبارهم من أصل مغربي، استنادًا إلى حملهم وثائق صادرة عن السلطات المغربية.
ورفض أصحاب الملفات هذا التصنيف، مؤكدين أن الوثائق الإدارية التي تفرضها سلطات الأمر الواقع في المناطق المحتلة لا يمكن أن تشكل دليلًا قانونيًا على السيادة، ولا أن تلغي الهوية الوطنية للشعب الصحراوي.
وبعد اللجوء إلى القضاء، أصدرت المحاكم الإسبانية في عدد من القضايا الفردية أحكامًا تقضي بتسجيل مكان الميلاد بصيغة "العيون، الصحراء الغربية" بدلًا من "العيون، المغرب"، وهو ما اعتبره متابعون انتصارًا قانونيًا ورمزيًا يكرس التمييز بين الوثيقة الإدارية التي يحملها الشخص وبين الوضع القانوني الدولي للإقليم.
ورغم أن هذه الأحكام لا تمنح الجنسية الإسبانية تلقائيًا لجميع الصحراويين، ولا تؤدي إلى تصحيح جميع الملفات بصورة آلية، فإنها تفتح بابًا قانونيًا مهمًا أمام المتضررين من التصنيف نفسه، وتؤكد أن الوثائق المغربية لا تحسم مسألة السيادة على الصحراء الغربية.
اتفاق مدريد لم ينقل السيادة
ويستند هذا التوجه القضائي إلى مبادئ القانون الدولي، التي تؤكد أن اتفاق مدريد الثلاثي الموقع سنة 1975 بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا لم ينقل السيادة على الصحراء الغربية إلى أي طرف.
كما سبق للمستشار القانوني للأمم المتحدة أن أكد أن الاتفاق لم يمنح المغرب أو موريتانيا صفة القوة المديرة للإقليم، بينما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 1975 إلى عدم وجود روابط سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية من شأنها تعطيل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
القضاء الإسباني: مسؤولية مدريد لم تنته
ويعزز هذه الأحكام أيضًا القرار الصادر عن المحكمة الوطنية الإسبانية سنة 2014، الذي اعتبر أن إسبانيا ما تزال، من الناحية القانونية، القوة المديرة للإقليم إلى حين استكمال مسار تصفية الاستعمار، مؤكدة أن الصحراء الغربية لا يمكن اعتبارها جزءًا من المغرب وفقًا للقانون الدولي.
وانطلاقًا من هذا الأساس، فإن اعتماد عبارة "العيون، الصحراء الغربية" في الوثائق الإسبانية لا يعد مجرد تعديل إداري، بل يعكس احترامًا للوضع القانوني الدولي للإقليم، ويؤكد أن السيطرة الفعلية لا تغير من وضعه القانوني.
تقدم قانون الجنسية في البرلمان الإسباني
ويتزامن هذا التطور القضائي مع تقدم مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية.
ففي 23 يوليو/تموز 2026، صادقت لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني على المشروع، وأحالته إلى الجلسة العامة للمجلس. وينص المشروع على منح الجنسية الإسبانية عن طريق مرسوم التجنس للصحراويين المولودين قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977، مع اعتماد وثائق محددة لإثبات الأصل والميلاد، كما يتيح لأبنائهم من الدرجة الأولى حق اختيار الجنسية خلال فترة زمنية محددة.
ويتضمن المشروع كذلك تعديلًا للمادة 22 من القانون المدني الإسباني، يقضي بتخفيض مدة الإقامة المطلوبة للصحراويين من عشر سنوات إلى سنتين، أسوة بفئات تربطها بإسبانيا روابط تاريخية وثقافية.
ورغم هذا التقدم، فإن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ بعد، إذ لا يزال في انتظار التصويت النهائي داخل مجلس النواب، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي.
دلالات تتجاوز الملفات الفردية
ويرى متابعون أن هذه الأحكام تتجاوز حدود القضايا الفردية، لما تحمله من دلالات قانونية وسياسية تتعلق بالاعتراف بالهوية الصحراوية واحترام الوضع القانوني الدولي للصحراء الغربية.
كما تعزز حق الصحراويين في أن تعكس وثائقهم الرسمية هويتهم الحقيقية، وتؤكد أن حمل وثائق صادرة عن سلطات الأمر الواقع لا يغير من المركز القانوني للإقليم، ولا من حق شعبه في تقرير مصيره وفقًا لقرارات الأمم المتحدة.
ويمثل هذا المسار القضائي، إلى جانب التقدم الذي يشهده مشروع قانون الجنسية الإسبانية، خطوة مهمة نحو معالجة ما يعتبره كثير من الصحراويين تمييزًا إداريًا طال ملفاتهم لسنوات، ويفتح الباب أمام مزيد من الاعتراف بحقوقهم داخل المؤسسات الإسبانية.
بتصرف عن الصحفي محمد لمام الديه اباه
