في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات التبرير التي ألفها الاحتلال المغربي، أصدرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بيانا حول وضعية الأسير المدني الصحراوي النعمة أصفاري، الذي يواصل إضرابه المفتوح عن الطعام منذ 46 يوما متواصلة. ورغم محاولة البيان التغطية على الممارسات القمعية، إلا أنه تحول إلى شهادة إدانة صريحة لما يمارسه الاحتلال من سياسة ممنهجة ضد المعتقلين الصحراويين.
ما قدمته إدارة السجون في بيانها هو إقرار رسمي بمنع المعتقل المدافع عن حقوق الإنسان النعمة أصفاري من الاتصال بعائلته، مبررة ذلك بمزاعم واهية عن "ترويج الأكاذيب" و"توظيفها من أطراف معادية للمملكة". هذا التبرير الهزيل يكشف عن سياسة متعمدة لعزل المعتقلين السياسيين عن ذويهم، في انتهاك صريح للمواثيق الدولية التي تكفل حق المحتجز في التواصل مع عائلته. فكيف يمكن لمنع إنسان مريض مضرب عن الطعام من سماع صوت أهله أن يكون مبرراً بأي منطق قانوني أو إنساني؟
لقد أثبت البيان أن إدارة السجون لم تفتح أي حوار جاد لدراسة المطالب المشروعة والقانونية للأسير المدني النعمة أصفاري، واكتفت فقط بمحاولة ثنيه عن مواصلة الإضراب أي بالتنازل عن مطالبه. هذا الموقف يعكس بوضوح سياسة الأذان المغلقة التي يمارسها الاحتلال تجاه كل المطالب المشروعة للأسرى الصحراويين. فبدلا من الاستجابة للمطالب التي تندرج في إطار تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الداعية لإطلاق سراحه، اختارت سلطات الاحتلال المغربي طريق التجاهل والإقصاء.
يحاول البيان تصوير التعامل الطبي مع الأسير على أنه نموذجي، متحدثا عن "البروتوكول الخاص بالتعامل مع السجناء المضربين" و"الرعاية الطبية داخل المؤسسة وخارجها". لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن رعاية طبية حقيقية لمن يمارس ضده سياسة العزل والتجويع المعنوي؟ وإذا كانت المؤشرات الحيوية مستقرة كما يدعي البيان، فلماذا يستمر الأسير في إضرابه رغم المخاطر الصحية الجسيمة؟ إن استمرار الإضراب 46 يوما هو الدليل الأكبر على فشل سياسة الضغط والإذعان التي تمارسها الإدارة بحقه.
يكشف البيان عن تناقض فاضح في موقف السلطات المغربية: فمن جهة، تدعي أنها تقدم الرعاية الصحية للأسير، ومن جهة أخرى، تمنعه من التواصل مع عائلته وتتهمه بـ"ترويج الأكاذيب". وهذا التناقض يعكس حقيقة أن الهدف ليس الحفاظ على صحة الأسير، بل إخضاعه وكسر إرادته، خاصة أنه معتقل سياسي يمثل رمزا للنضال الصحراوي المشروع.
بيان إدارة السجون المغربية يضع الاحتلال في قفص الاتهام أمام اعترافه بممارسة سياسة الآذان المغلقة والعزلة القسرية. فالمغرب، بموجب موقعه كعضو في الأمم المتحدة ومن خلال المصادقة على مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ملزم باحترام حقوق المعتقلين السياسيين. إن تجاهل الرأي رقم 23/2023 الصادر عن مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي، والذي خلص إلى أن احتجاز النعمة أصفاري يعتبر احتجازا تعسفيا، هو تحدٍ صارخ للمجتمع الدولي.
رغم محاولة البيان طمأنة الرأي العام حول الوضع الصحي للأسير، إلا أن الاعتراف بنقص البوتاسيوم ونقله للمستشفى الخارجي أكثر من مرة يكشف عن خطورة حالته الصحية. فبعد 46 يوما من الإضراب المفتوح، يكون الجسم قد استنفد كل مخزونه من العناصر الغذائية الأساسية، وتكون الأعضاء الحيوية في مرحلة حرجة. إن الإصرار على تصوير الوضع على أنه مستقر يكشف عن محاولة تضليل الرأي العام وتقليل خطورة ما يحدث.
المطالب التي يرفعها الأسير النعمة أصفاري ليست مطالب سياسية أو فئوية، بل هي حقوق إنسانية أساسية يكفلها القانون الدولي. إن المطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة والإفراج عن معتقل سياسي يحاكم بعيدا عن أي ضمانات للمحاكمة العادلة، هو حق مشروع وليس تفاوضا سياسيا. لكن سلطات الاحتلال تتعامل مع هذه المطالب وكأنها ورقة تفاوض يمكن تجاهلها أو استخدامها للضغط على المعتقل.
إن بيان إدارة السجون المغربية، وضع الاحتلال في ورطة قانونية و أخلاقية عوض أن يكون ورقة دفاع عن ممارسات الاحتلال، أصبح دليلا إدانة جديدا يضاف إلى سجل الانتهاكات المغربية في الصحراء الغربية. فالبيان اعترف صراحة بممارسة سياسة العزلة القسرية، وعدم فتح أي حوار مع الأسير، والاكتفاء بمحاولات الإذعان والإخضاع.
إن استمرار الاحتلال في تجاهل قرارات الأمم المتحدة وإصراره على سياسة الآذان المغلقة يضع المغرب أمام مسؤولياته الدولية والأخلاقية، ويدينه أمام ضمير الإنسانية جمعاء. آن الأوان للمجتمع الدولي أن يترجم إدانته لهذه الممارسات إلى إجراءات عملية تضغط على الاحتلال لإنهاء معاناة الأسرى الصحراويين، وفي مقدمتهم النعمة أصفاري الذي يخوض معركة الحياة والموت دفاعا عن كرامته وحريته المشروعة..
#hassanna_douihi
