لم تكن قلعة مكونة مجرد سجن.
كانت نهاية طريق طويل من الاختفاء، والاستنطاق، والتعذيب، والانتظار لعشرات المختطفات والمختطفين الصحراويين.
لكن قبل الوصول إليها، كان على المعتقلات أن يعبرن سلسلة من المحطات التي لم تكن تعرف نهايتها.
ثكنات عسكرية.
مراكز أمنية.
طائرات عسكرية.
سجون سرية.
وزنازين لا يعرف فيها المعتقل إن كان سيخرج منها حياً أم لا.
كانت تلك السنوات جزءاً من مرحلة مظلمة في تاريخ صراع الشعب الصحراوي مع سجون الاحتلال المغربي.
مرحلة لم تكن فيها الاعتقالات مجرد إجراءات أمنية، بل كانت وسيلة لعزل الإنسان عن العالم، وقطع صلته بأسرته، وتحويله إلى جسد معلق بين سؤالين:
لماذا اعتُقل؟
ومتى سيخرج؟
تستعيد الدكجة لشكر شريط البداية.
كان ذلك سنة 1980.
اقتيدت إلى ثكنة عسكرية بمدينة العيون المحتلة، رفقة عدد كبير من الصحراويين، نساءً ورجالاً.
لم تكن الثكنة محطة عابرة.
فقد خضع المعتقلون هناك للاستنطاق المصحوب بالتعذيب لأكثر من شهر.
كانت الأسئلة تدور حول علاقتهم بالتنظيمات السرية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
لكن خلف كل سؤال كان هناك سؤال آخر.
من تعرف؟
من التحق؟
من ساعد؟
ومن قال؟
في مثل تلك الظروف، لم يكن التحقيق مجرد بحث عن إجابة.
كان محاولة لتفكيك شبكة كاملة من العلاقات، وتحويل كل معتقل إلى باب يقود إلى معتقل آخر.
وبعد أكثر من شهر من الاستنطاق والتعذيب، بدأت رحلة جديدة.
لكنها لم تكن رحلة نحو الحرية.
كانت رحلة نحو سجون أخرى.
نُقلت المجموعة على متن طائرة عسكرية إلى الدار البيضاء.
كان الوجهة: سجن درب مولاي الشريف.
هناك، قضت الدكجة ورفاقها سبعة أشهر.
في ذلك المكان، لم تكن وحدها.
وجدت أمامها سبعة رجال وخمس نساء.
معتقلون يحمل كل واحد منهم قصته الخاصة، لكنهم كانوا جميعاً يشتركون في شيء واحد:
أنهم دخلوا السجن بسبب ارتباطهم بقضية أكبر من جدران الزنزانة.
بعد سبعة أشهر، جاء النقل من جديد.
هذه المرة إلى سجن أكدز.
تسعة أشهر أخرى.
تسعة أشهر من الانتظار.
من السؤال.
من الترقب.
ومن محاولة فهم ما يجري خارج الجدران.
وفي الطريق، التقت المجموعة بمعتقلين آخرين.
ثلاثة عشر رجلاً وامرأة واحدة.
كانت قافلة المعتقلين تكبر.
وكانت الجدران التي تنتظرهم تزداد.
وفي النهاية، كان الطريق يقود إلى قلعة مكونة.
لكن بالنسبة إلى الدكجة، لم تكن قلعة مكونة بداية السجن.
كانت امتداداً لسلسلة طويلة بدأت بالاختطاف والاستنطاق والتعذيب.
أما بالنسبة إلى النجاة أخنيبيلا، فقد بدأت الحكاية في ظروف مختلفة.
لكنها قادتها إلى المكان نفسه.
في سنة 1982، عادت النجاة من فرنسا إلى مدينة الطانطان جنوب المغرب.
كانت عودتها إلى الأسرة.
إلى البيت.
إلى حياة كان يفترض أن تبدأ من جديد.
لكنها لم تمضِ سوى أيام قليلة.
أسبوع واحد تقريباً.
ثم جاءت لحظة الاقتياد.
اقتيدت رفقة زوجها إلى الزنازين المغربية، بتهمة إيواء عناصر من الجبهة الشعبية في فرنسا.
مرة أخرى، لم يكن الاعتقال مجرد فقدان للحرية.
كان اقتلاعاً من الحياة.
من البيت.
من الأسرة.
من المستقبل.
بدأت رحلة النجاة بين الزنازين.
وفي طريقها إلى قلعة مكونة، أمضت عامين وخمسة أشهر في السجن الانفرادي.
عامان وخمسة أشهر.
زمن طويل بالنسبة إلى إنسان يعيش وحيداً مع الجدران.
وحيداً مع الصمت.
وحيداً مع الذاكرة.
باستثناء ساعات التنقل من سجن إلى آخر، كانت العزلة هي رفيقتها.
لكن السجن الانفرادي لم يبدأ فقط داخل السجن.
فخلال التحقيق في المفوضية المركزية للشرطة المغربية بأكادير، عاشت النجاة تجربة العزل أيضاً.
هناك، حيث لا تعرف المعتقلة من حولها.
ولا تعرف ما الذي ينتظرها.
ولا تستطيع أن تتأكد من مصير زوجها.
ولا من مصير الأسرة.
في السجن الانفرادي، يصبح الزمن شيئاً غريباً.
اليوم يشبه الأمس.
والأمس يشبه الغد.
والجدار نفسه يتحول إلى شاهد وحيد على مرور السنوات.
لكن حتى في أقسى العزلة، كانت هناك ذاكرة.
وكانت هناك أسئلة.
وكان هناك وطن بعيد.
وكان هناك حلم لا يزال حاضراً.
الدكجة والنجاة لم تلتقيا في بداية الطريق.
لكل واحدة منهما قصة اعتقال مختلفة.
ومحطات مختلفة.
وسنوات مختلفة.
لكن الطريق كان يقودهما إلى المكان نفسه.
قلعة مكونة.
هناك، خلف الصخور والجدران، كانت تنتظر مجموعة أخرى من المعتقلات.
نساء صحراويات من أجيال مختلفة.
بعضهن اعتُقلن في سنوات مبكرة.
وبعضهن كن يحملن في أجسادهن آثار التعذيب.
وبعضهن كن قد أمضين سنوات طويلة في السجن.
كانت قلعة مكونة تجمع بين الذاكرة والألم.
بين المرض والصمود.
بين الموت والحياة.
لكن قبل أن تلتقي الدكجة بالنجاة داخل ذلك السجن، كان لكل واحدة منهما طريق طويل من العزلة.
طريق جعل اللقاء بين المعتقلات أشبه باكتشاف عالم كامل خلف جدار.
وفي السجون، حيث كان الكلام ممنوعاً، والهمس خطراً، وحتى النظر قد يكون سبباً للعقاب، كان اللقاء الأول يحمل معنى مختلفاً.
هناك، كانت كلمة واحدة كافية.
ونظرة واحدة كافية.
وأحياناً...
طرقة على صخرة.
كانت كافية لتقول:
نحن هنا.
أنتم لستم وحدكم.
لكن ماذا يحدث عندما تكتشف المعتقلة أن خلف الجدار نساء يتحدثن لهجتها؟
وأن خلف الصخور ذاكرة أخرى؟
وأن هناك من سبقنها إلى المكان نفسه؟
في الحلقة القادمة...
نظرة مسروقة... وطرقة على جدار الصمت.
