القائمة الرئيسية

الصفحات

الخيانة... متى يصبح الإنسان غريبًا عن وطنه.

                       


للأوطان أعداء تعرفهم، لكنها تخشى أكثر أبناءها الذين يبيعونها. فالعدو يهاجم من الخارج، أما الخائن فيهدم من الداخل، متوشحًا بشعارات الانتماء، بينما يقايض القضية بالمصلحة، والمبدأ بالمكسب، والكرامة بصورة عابرة في ممرات السياسة.
ولهذا لم تكن كلمات الكاتبة الأرجنتينية كاري كرين مجرد هجوم على شخص، بل شهادة أخلاقية وسياسية على زمن اختلطت فيه المبادئ بالمصالح، حتى أصبح بعض الناس يظن أن بإمكانه أن يشتري شرعية التاريخ كما تُشترى المواقف في أسواق السياسة. والمفارقة المؤلمة أن تأتي هذه الكلمات من امرأة بعيدة عن الصحراء الغربية، بينما يعجز بعض أبنائها عن حمل أمانة قضيتهم.
فالانتماء ليس شهادة ميلاد، ولا نسبًا قبليًا، ولا بطاقة هوية، بل موقف. وكم من غريب حمل قضية ليست قضيته حتى أصبحت جزءًا من وجدانه، وكم من ابن الدار باع شعبه عندما لاحت أمامه إغراءات السلطة أو المال أو وهم النفوذ.
الحياة لا ترحم المتلونين، والتاريخ أشد قسوة من الحياة. قد تمنح السياسة للخائن منصة، وقد تفتح له أبواب العواصم، وقد يلتقط الصور في أروقة الأمم المتحدة ويصافح المسؤولين، لكنه لن يستطيع شراء احترام الشعوب، ولن يمحو من الذاكرة أنه اختار، بإرادته، أن يقف في الضفة المقابلة لتطلعات أبناء وطنه.
ولعل أكثر ما أصابت فيه كاري كرين هو تذكيرها بحقيقة يعرفها الجميع ويتجاهلها البعض عمدًا: أن القوى الكبرى لا تصنع صداقات، بل تدير مصالح. إنها تستخدم الأشخاص ما داموا نافعين، ثم تستبدلهم متى انتهت صلاحيتهم السياسية. فلا واشنطن، ولا غيرها من العواصم المؤثرة، تبني سياساتها على الوفاء، وإنما على حسابات القوة والربح والخسارة.
ولعل الحاج أحمد بارك الله يقدم اليوم نموذجًا واضحًا لهذا الارتهان. فبعد سنوات من الرهان على رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، الذي انتهى اسمه إلى واجهة الجدل والتحقيقات في إسبانيا، بدا وكأنه يسارع إلى البحث عن مظلة جديدة، متجهًا نحو الدوائر القريبة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث ترتبط السياسات الإقليمية بإعادة تشكيل التحالفات على أساس الصفقات الجيوسياسية وإعادة تعريف الأولويات، بما في ذلك ملف الصحراء الغربية واتفاقات التطبيع في المنطقة. وكأن القضية لم تعد عنده مبدأ ثابتًا، بل وسيلة للانتقال من رعاية سياسية إلى أخرى، ومن مشروع إلى آخر، حيث تكون المصلحة هي البوصلة الوحيدة.
لكن من يراهن على الأشخاص يكتشف، عاجلًا أم آجلًا، أنه كان مجرد ورقة في لعبة أكبر منه. فعندما تتغير الحسابات، تُطوى الأوراق، ويُترك أصحابها على هامش المشهد، بعدما كانوا يظنون أنهم جزء من صناعته.
أما الصحراء الغربية، فستبقى قضية قانون وعدالة قبل أن تكون قضية توازنات سياسية. لقد تغيرت الحكومات، وتعاقبت الإدارات، وتبدلت التحالفات، لكن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ظل حاضرًا في القانون الدولي، وظلت المكانة القانونية للإقليم محل تأكيد في العديد من المرجعيات القانونية الدولية، مهما حاول البعض الالتفاف على تلك الحقائق.
غير أن القضية، في جوهرها، ليست نصوصًا قانونية فحسب، بل قضية ضمير. فالخيانة لا تبدأ عندما يخالف الإنسان القانون، وإنما عندما يخون الأمانة التي حملها، والثقة التي وضعها فيه شعبه.
وأنت يا الحاج أحمد بارك الله، قد تستطيع أن تقنع بعض الناس لبعض الوقت، وقد تكثر من الظهور في المحافل الدولية، وقد تنتقل من رعاية سياسية إلى أخرى كلما تبدلت موازين القوى، لكنك لن تستطيع الهروب من سؤال واحد سيظل يلاحقك: ماذا ستقول للتاريخ عندما يسألك أين كنت عندما كان شعبك يتمسك بحقه؟ وماذا سيبقى لك عندما تنتهي الحاجة إليك؟ إن الذين يفتحون لك الأبواب اليوم قد يكونون أول من يغلقها غدًا إذا تبدلت المصالح، أما ذاكرة الشعوب فلا تتبدل، والتاريخ لا يخلد من جعل نفسه أداة في مشاريع الآخرين، بل يخلد الذين بقوا أوفياء لقضاياهم مهما كان الثمن.
إن الأمم لا تُبنى بالخونة، ولا يكتب مستقبلها من يبدلون مواقفهم بتبدل موازين القوى. فالشهداء والمناضلون هم الذين يصنعون تاريخ الشعوب، أما الذين يراهنون على المصالح العابرة، فلا يكتبون سوى هوامش باهتة سرعان ما تمحوها الأيام.
ويبقى الإنسان، في نهاية المطاف، أمام محكمتين لا يستطيع الإفلات منهما: محكمة ضميره، ومحكمة التاريخ. الأولى قد يصمت صوتها زمنًا، أما الثانية فلا تسقط أحكامها بالتقادم. وعندما تُطوى صفحات هذا الزمن، لن يتذكر الناس عدد الصور التي التُقطت، ولا عدد المصافحات التي جرت، بل سيتذكرون من بقي وفيًا لوطنه، ومن اختار أن يبيعه.
وهذه هي الحقيقة التي لا تتغير: قد يربح الخائن جولة، لكنه يخسر التاريخ. وقد يشتري موقعًا، لكنه لا يستطيع شراء الشرف. فالأوطان تبقى، أما الخيانة فلا تترك لصاحبها سوى اسمٍ يورث الخزي، وذكرى يلفظها التاريخ كلما ذُكر الأوفياء.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...